من الماضي القريب ثورة الشعب الصامتة أو إضراب عـام 1931

سمي اضراب بغداد عام 1931 بمسميات عدة حيث اطلق عليه الانكليز اسم (الهيجان) من باب الاستخفاف به والتقليل من اهميته…. وسمي باضراب الرسوم البلدية لكن المؤرخ العراقي المعروف السيد عبد الرزاق الحسني سماه (ثورة الشعب الصامتة) ,ان هذا الحس الوطني العالي يستند الى امتلاك الجماهير العمالية ارثاً خالداً من النضال الانساني بابعاده القومية ومضامينه الطبقية وتفرده الحضاري المتميز في المساهمة في عملية بناء المجتمع والكفاح المستمر من اجل العدالة الاجتماعية على مدى عصور سلفت وحضرات مرت قبل ان تظهر الى الوجود المفاهيم والمصطلحات والتقاليد العمالية الحيثة المعاصرة.ففي ظل الحضارات القديمة كانت حضارة وادي الرافدين ووادي النيل ممثلة بالمعابد هي ارقى اشكال الحياة في مضامينها الروحية وثرائها المادي
الذي كانت تضمه بين جدرانها وورشات العمل التي كانت تحتضن كفاءة وبراعة العمال التي خلدتها اللوحات الطينية التي دونت حضارة وادي الرافدين وكشفت تلك اللوحات جانباً مهماً من حياة العمل والعمال مشفوعة بانماط من التسميات والتنظيمات الحرفية كالنساجين والصاغة والنساجين والخزافين. وبما ان التطور حالة بديهية يفرضها مستوى النمو الفكري للأنسان وهو ما انعكس عبر عشرات القرون التي مرت والتي شكلت انعكاساً حقيقياً لتطور الحياة وتنامي المساهمة العمالية الجماهيرية على طريق تعاظم المسؤوليات المهنية والثقافية من اجل النهوض المستمر بالحياة المتطورة. لقد كان للعمل في الحياة العربية القديمة قدسية رفيعة تقترن بالتخصص الحرفي للأنبياء من اصحاب الرسالات السماوية حيث انتصرت ارادة الاسلام على قوى الشرك واركان العبودية.لقد فتحت الثورة العربية الصفحة المشرقة الاخرى في حياة الجماهير العمالية بحيث وضعت الامة العربية امام مرحلة اكثر توحدا واشراقا في التعبير عن نزعاتها الانسانية وتوظيفها في خدمة البشرية كلها والارتقاء بها نحو التطور والنهوض من خلال جملة من الاجراءات القيمة لتطوير العمل والعمال التي ساهمت باعادة تشكيل التنظيمات الحرفية والعناية بها والاشراف عليها وجعل الصحابة والانصار حسب التخصصات المهنية على راس تلك التنظيمات ضماناً لعدم التلاعب في الاوزان ومنع الغش وتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع المستوى الاقتصادي وتطوير الكفاءات الانتاجية للعاملين في الصناعات الحرفية على اختلافها وفي عهد الخلفاء الراشدين تطورت مسارات العمل والانتاج في مختلف الاصعدة.
وفي ظل الدولة العربية الاسلامية ازدهرت الحياة صعوداً وكان في دار السلام – بغداد – (100) الف عامل متخصص بالفنون المعمارية حيث ازدهرت حركة العمل والعمال التي اكتظت بعشرات الالوف من ورشات العمل قبل اكثر من الف وثلثمئة عام. وفي عهد الدولة العباسية اقيمت ورشات عمل متعددة الى جانب النهوض الحضاري وانتشار الفنون التطبيقية. وفي تنامي حضارة بغداد ازدهرت حركة العمل والعمال حيث تناول عدد كبير من المؤرخين والفلاسفة والادباء بالدراسة المستفيضة وبالرأي السديد وبالاحصاء الدقيق في جميع مناحي الحياة المتعلقة بالجماهير العمالية ووصف حياة العمال ومستوياتهم المعاشية وفي مقدمتهم الحسن البصري ومحمد ابو الحسن الشيباني والقاضي الماوردي واخوان الصفا وابن خلدون وغيرهم وكان للجماهير العمالية شرف الريادة في النضال الوطني والوقوف في وجه الظلم والاستبداد والتحدث بشجاعة عن سياسة المستشارين الانكليز واساليبهم الماكرة واصطرعت معهم بسلاح الايمان وبهمة الرجال المضحين الواقفين في مواجهة اركان النظام الاستعماري وتجاوز الطغمة الرجعية في اضراب عمالي اتسم بابعاده القومية والوطنية المقترنة بقوة الوعي السياسي الذي يحدد المطالب العمالية المشروعة في تكافؤ فرص العمل ضمن قانون عمل وطني مشرع قانوناً.. أسباب الاضراب لاتظل الحياة رتيبة يكتنفها الغموض والتراخي والتعلل بالامال حين يكون هناك وعي سياسي ينمو تدريجياً ويتفاعل صعوداً مع مر الزمن تحركه بالضد تصرفات الحكام واستشراء حالات الفساد والاستغلال والسيطرة الغاشمة ذات المطامح الشخصية المباشرة.ان العمال هم عصب الحياة المتحركة دائماً في ادارة دفة الدولة في الجانب الخدماتي والانتاجي الذي لو توقف في يوم ما لتوقفت ماكنة الحياة اليومية وعليه:. فأن الهياكل التنظيمية الاولى للحركة النقابية كان لها دور مباشر في التهيئة لهذا الاضراب انطلاقاً من كون الحركة النقابية العمالية منذ بواكير نشوئها هي طبقة وطنية تكرس النضال لمصلحة الوطن أولاً وللعمال ثانياً.. واذا كانت ثورة العشرين هي ثورة الفلاحين فان اضراب بغدد في الخامس من تموز 1931 هو ثورة العمال الصامتة وهي الرد الوطني الذي انطلق من بغداد صوتاً عراقياً رافضاً وصايا المستعمرين الانكليز وكانت بدايات الاضراب هو سيادة السكون مدينة بغداد وتوقف الحركة اليومية واقفال جميع المحال وتوقف الاهالي عن البيع والشراء والاكتفاء بما تيسر لهم من مؤن عينية وتدبيرات ذاتية… وقد وصفت الصحافة في حينه يوم بداية الاضراب بان بغداد (لم تشهد اضراباً شاملاً كالاضراب الذي حدث أمس) اما الانكليز فقد وصفوه بانه نوع من الهيجان للنيل منه ونعته بالفوضى للتقليل من اهميته والبداية كانت منذ عام 1917 حين دخل الانكليز بغداد في اذار من نفس العام وشرعوا بتهيئة وسائل السيطرة ومصادرة حرية الفرد والمجتمع من خلال اصدار قائد الحملة البريطانية لبلاد ما بين النهرين قانون الرسوم البلدية والذي كان بمنزلة عصا غليظة أقضت مضاجع اصحاب الصنائع والحرف وخاصة الذين كانوا يناهضون السياسة الاستعمارية للاحتلال الاجنبي الجديد في وقت نمت فيه طبقة جديدة من المنتفعين الانتهازيين الذين امتلأت جيوبهم بين عشية وضحاها على حساب الفقراء المعدمين وفي طليعتهم الطبقة العمالية.
وحين تولى نوري السعيد اول وزارة في 23 اذار 1930 اصدر موافقات سريعة على الاتفاقيات البريطانية المبرمة سابقا وعمل على توثيق الانظمة والتعليمات الانكليزية حيث تميزت وزارته الاولى بكثرة اصدار القوانين والانظمة وكان من بينها قانون الرسوم البلدية الذي اشتمل على (114) حالة من حالات فرض الرسوم ثم الزام دفعها حتى على نزاحي المياة الثقيلة وصباغي الاحذية والحمالين.




