محاسن محنة “التدابير الاستثنائية” للرئيس التونسي قيس سعيّد
بقلم/محمد اليوسفي..
مساء يوم الـ25 من تموز/يوليو 2021، تقاطر على مختلف شوارع محافظات البلاد التونسية آلاف التونسيين احتفاءً بالتدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد، حينما قرّر تعليق عمل البرلمان وإعفاء حكومة هشام المشيشي.
كانت تلك الليلة حُبلى بالفرح والأمل اللَّذَين وُلِدا من رحم فترات عصيبة عاشها الشعب التونسي بعد الثورة. لم يكن أصل الداء في أبواب الحرية والديمقراطية التي فُتحت على مصاريعها بفضل دماء الشهداء، بل إنّ العبث، الذي طال المسار الديمقراطي من جانب الطبقة السياسية، ولاسيما الأحزاب التي حكمت منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وفي مقدمتها حزب حركة النهضة الإسلامي، كان المحرّك الرئيس لمساندة قطاعات واسعة من الشعب لتلك التدابير الاستثنائية، على الرغم من خطورة منزلقاتها، ولاسيما بشأن العلاقة بالوضع الدستوري.
في الحقيقة، فوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد بالانتخابات الرئاسية عام 2019، لم يكن نتاجاً لفهم عميق عقلاني للمشروع السياسي للرجل الذي كان واضحاً منذ البداية في أطروحاته، التي تبدو على نقيض كل ما بُني منذ عام 2011.
اليوم، بعد مرور أكثر من 8 أشهر على تلك القرارات التاريخية، التي شكّلت محطة مفصلية في التاريخ السياسي التونسي الراهن، تكاد الفرصة التي أتاحتها التدابير الاستثنائية لتصحيح المسار، بناءً على مراجعات حقيقية تراعي خصوصية التجربة التونسية، تتحوّل إلى كابوس في ظّل إمعان الرئيس سعيّد في المضي قدماً نحو تنزيل مشروعه السياسي الفرداني على أرض الواقع، مستغلاً في ذلك الصلاحيات الواسعة التي بات يتمتع بها في ظلّ حالة الاستثناء.
ميزة المحنة الحالية أيضاً أنّها ستقود حتماً إلى تشكلّ مشهد سياسي جديد ومرحلة قادمة يمكن أن تقطع مع رداءة العشرية الماضية، بكلّ ما فيها من فساد وسوء إدارة سياسيّة للعملية الديمقراطية.
من محاسن المحنة الحالية أيضاً اكتشاف خطورة الانزلاق مجدداً نحو حكم الفرد، حتّى إنّ كان بالنزاهة ونظافة اليد الممزوجتين بوهم الطهورية السياسيّة. فمصير الشعوب والدول لا يجب أن يكون رهين اعتقادات أو شهوات سياسيّة لفرد، مهما علا شأنه لا يمكن أن يكون أسمى وأنجع من صلابة المؤسّسات التي تصنع التاريخ، وتصون الحقوق والحريات، وتكرّس الديمقراطية القائمة على خدمة الصالح العام.
في المضمار نفسه، لا يمكن القفز على محاسن أخرى لا تقّل أهمية. فمن مزايا حالة الاستثناء أنّها عرّت الوجه القبيح لنوازع الحنين إلى الاستبداد تحت حجج واهية لدى البعض، لا علاقة لها بفكرة الديمقراطية التي كثيراً ما كانوا يتشدقون بها.
لا نعلم حقيقة إلى أيّ حدّ زمني يمكن أن يصل الوضع الراهن. لكنّ ما نعلمه، انطلاقاً من قراءة عقلانية متأنية لتاريخ البلاد، أنّ في تونس مجتمعاً مدنياً مقاوماً لا يمكن أن يتخلى عن المكاسب التي تحقّقت على الرغم من خيبات العشرية الماضية.
في تونس أيضاً أجسام وسيطة ومؤسسات متأصّلة، في الأوساط الاجتماعية وفي أعماق الدولة، لا يمكن أن تكون بمنزلة شاهد الزور على أيّ انحراف قد يُعيد البلادَ إلى ما قبل الدولة، وقد يُعيد المجتمعَ إلى ما قبل ثورة الحرية والكرامة.
خلال الأشهر، وربما الأعوام المقبلة، قد ينجح الرئيس قيس سعيّد ظرفياً في تمرير مشروعه السياسي الفرداني بالسرعة القصوى، عبر آلية الاستفتاء، بناءً على مخرجات حوار انتقائي يُدعى إليه المقربون ويُقصى عنه الخصوم، مستغلاً في ذلك ما تبقّى له من رصيد شعبي قبل نهاية عهده الرئاسي.
في المقابل، من الصعب أن تستقر حركة التاريخ السياسي لتونس على هذه المرحلة التي ستكون بالضرورة فترة انتقاليّة ممهدة لمرحلة أخرى تليها، قد تفتح الباب إزاء مسار سياسي تشاركي يكون أكثر عقلانية على أسس ديمقراطية تنهل من محاسن “التدابير الاستثنائية”، ومن مساوئ العشرية الماضية، بما فيها من دروس وعِبَر.
من هذه الزاوية بالذات، يمكن استشراف أهمية محاسن محنة “التدابير الاستثنائية” في تونس، في المديين المتوسط والطويل، إنّ لم يكن ذلك في أفق زمني غير بعيد.



