اراء

العالم أمام أزمة قمح وأسمدة خطيرة..هل تغطي الهند النقص؟

 

بقلم/د. علي دربج..

 

مع اندلاع المعارك العسكرية بين اوكرانيا وروسيا ـــ وهما من أكبر سلال الخبز في العالم ـــ فإن أسوأ ارتفاع في أسعار الغذاء منذ الركود العظيم، يلوح في الأفق في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي قد يؤدي الى تأجيج آفة الجوع، واشتعال الاضطرابات السياسية، في غير دولة، بعيدا عن منطقة المعارك.

ففي السنوات الأخيرة، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا سريعًا، في مختلف البلدان على امتداد الكرة الأرضية، وسط اضطرابات سلسلة التوريد والتضخم المرتبط بوباء (كورونا). أما حاليًا، فإن بعض الأسعار ـ خصوصًا القمح ـ قد تجاوزت الحدود بسبب الأزمة الأوكرانية، مما أدى إلى تقلب حسابات الإمدادات الغذائية المتاحة في العالم، إضافة الى تقنين استخدامات الطحين في أجزاء من الشرق الأوسط.

وبينما تدق أجراس الإنذار في أرجاء الأرض بسبب أزمة أوكرانيا، لا بد من إلقاء نظرة على مدى عمق الأزمة وتأثيرها على الإمدادات الغذائية العالمية، وما إذا كان يمكن للهند أن تلعب دورًا في التخفيف من آثارها.

فلنبدأ باستعراض الأزمة

 من المعروف أن كلًّا من روسيا وأوكرانيا تنتج ما يقرب من 30 في المائة من القمح، و17 في المائة من الذرة، وأكثر من نصف صادرات زيت بذور عباد الشمس في جميع أنحاء العالم. غير أن التداعيات الناجمة عن الصراع، فضلًا عن تردي الأوضاع في موانئ البحر الأسود ـ بسبب تعرض سفن الشحن إلى الاستهداف المتبادل ـ وغيرها من المشاكل، كلها عوامل، أدت الى تراجع الصادرات الغذائية الأساسية، الأوكرانية والروسية.

زد على ذلك، أن مقاطعة شركات الشحن الروسية والامتناع عن التعامل مع الموانئ الروسية، والآثار غير المباشرة للعقوبات الغربية، تسببت بتعطيل تدفق الأطعمة والأعلاف من روسيا، مما خلق مشاكل يمكن أن تتفاقم، لا سيما بعد تهديد الكرملين بفرض ضوابط على تصدير بعض السلع الغذائية.

ونتيجة لهذه التطورات، ازدادت أسعار القمح بنسبة 70 في المائة في الشهر الماضي، وبلغت مستوىً  قياسيا بلغ 12.94 دولارا لكل بوشل (البوشل هو اداة قياس اميركية بريطانية، تساوي 27.2188 كيلو جرام). ويعتقد الخبراء أن الوضع على وشك أن يزداد سوءا.

وفي الإطار ذاته، قدّر تقرير صدر مؤخرًا عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أسعار الغذاء والأعلاف يمكن أن ترتفع إلى ما يصل إلى 22 في المائة، فوق المستويات المرتفعة بالفعل بسبب “المعارك“.

ماذا عن ارتفاع أسعار الأسمدة وعلاقتها بالعقوبات؟

في الواقع لا تقتصر الأزمة على السلع الاستراتيجية كالقمح والنفط، عندما يتعلق الأمر بالعقوبات المفروضة على روسيا، فموسكو هي أيضًا، مصدر رئيسي للأسمدة، التي ارتفع سعرها بالفعل.

علميًا، تعدّ روسيا أكبر مصدر للأسمدة في العالم، حيث توفر حوالي 15 في المائة من الإمدادات العالمية. وارتباطًا بالعقوبات، طلبت روسيا هذا الشهر من منتجي الأسمدة لديها وقف الصادرات كون العقوبات صعّبت معاملات  التصدير.

ما هي الإجراءات التي اتخذتها الدول للتخفيف من ازماتها الغذائية؟

تتجه معظم البلدان إلى اتخاذ خطوات وتدابير “الحماية التجارية” لحماية إمداداتها الغذائية. فإندونيسيا وضعت قيودًا جديدة على صادرات زيت النخيل للتحكم في الأسعار. من جهتها حظرت المجر جميع صادرات الحبوب منذ حوالي عشرة أيام. وفيما صرحت صربيا بأنها ستحظر تصدير القمح والذرة والدقيق وزيت الطهو، فرضت مصر ـــ التي تستورد ما يقرب من 80 في المائة من قمحها من روسيا وأوكرانيا ــ  قيودا على صادرات الحبوب حيث بدأ سعر الخبز المدعوم في الارتفاع بالفعل.

ما ارتدادات هذه الأزمة على الدول التي تشهد حروبًا؟

في الواقع، تواجه البلدان المتضررة من النزاعات والحروب، بما في ذلك اليمن وسوريا وجنوب السودان وإثيوبيا وأفغانستان، بالفعل، حالات طوارئ شديدة بسبب الجوع، ويخشى الخبراء أن تتفاقم بسرعة.

في أفغانستان، يحذر عمال الإغاثة من أن الأزمة الإنسانية قد تفاقمت بالفعل بسبب الأزمة الاوكرانية، مما يجعل من الصعب إطعام حوالي 23 مليون أفغاني ـ أكثر من نصف السكان ـ الذين ليس لديهم ما يكفي من الطعام. وفي اليمن حيث الحصار السعودي الظالم، اضطر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إلى قطع إمدادات الحصص الغذائية عن السكان.

 هل يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء الى حصول مجاعة؟

كشف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة هذا الشهر، أن عدد الأشخاص الذين هم على حافة المجاعة قفز بين عامي 2019 و 2022  إلى 44 مليونًا، بعدما كان 27 مليونًا، مع وجود 232 مليون شخص إضافي على بعد خطوة واحدة من هذه الفئة، وفقا لديفيد بيزلي، المدير التنفيذي للبرنامج.

ليس هذا فحسب، إذ زادت تكاليف برنامج الغذاء العالمي بالفعل، بمقدار 71 مليون دولار شهريًا، وهو ما سينجم عنه خفض الحصص الغذائية اليومية لـ 3.8 مليون شخص.

وحذر قائلًا: “إذا تعرضت ممرات النقل في البحر الأسود لمزيد من التعطل بسبب هذه الحرب المتنامية، فإن أسعار النقل سترتفع بسرعة كبيرة، وستتضاعف ثلاث مرات“.

في المحصلة، هناك رابحون وخاسرون ومستفيدون من كل صراع وأزمة، ومع انه لا يمكن استبدال الإمدادات الروسية والأوكرانية من القمح والمنتجات الزراعية الأخرى بسهولة في العالم، غير أنه يمكن أن يتحول النقص المستمر في المنتجات الغذائية، إلى فرصة للمزارعين الهنود، إذ قامت الهند بالفعل بتصدير أكثر من 6 ملايين طن من القمح خلال الفترة من نيسان/ أبريل إلى 22 كانون الثاني/ يناير 2021. وينطبق الشيء نفسه على الأرز، حيث لامست صادرات غير البسمتي 14 مليون طن متري في نيسان/ أبريل وكانون الثاني/ يناير 2021- 2022، وتجاوز الرقم القياسي البالغ 13.1 مليون طن لعام 2020-2021 بأكمله. حتى شحنات الذرة في طريقها للوصول إلى 3.5-4 طن متري. ورغم ان هذه الارقام قد لا تلبي احتياجات العالم، الا انها لا شك، قد تساعد على الحد من المخاطر الغذائية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى