ثقافية

سبع ومضات قصصية عن الظاهرة السردية

iop[o[

عدنان مبارك
صار السرد الأدبي مجرد حصر مرن لتسجيلات أمينة للأحداث والأفكار والتأملات كما هناك بالطبع حرية شبه مطلقة للمخيلة. أولا وأخيرا هو بناء يمكن أن يضاف اليه كل ما له علاقة به. هذا ما تعلمته من دروس جيمس جويس وبعده. وهكذا هناك من يكتب اليوم القصة مكرسا حرية مفزعة لاستنبات السرد من اللاوعي وفنون اللاسرد وغيرها.فكرة مهووسة وغريبة لاتفارقني منذ أيام : أن أكتب عن الوجود الذي كثرت تسمياته عندي : هلامي ، سرابي في الجوهر ، صلد كالصخر ، نعمة ربانية / لعنة ربانية ، دفع صوب الجنة مرة وفي أخرى صوب الجحيم وغير ذلك. لكني سأكتب عنه بانوراميّا أي اسقاطات شاملة للجسم والنفس والروح ومناطق بكاملها من عالمي الخارجي. هي عادة سيئة عندي : أعد النفس بنبذها لكن لا شيء ، فسرعان ما أنسى الوعد. الأسباب كثيرة وهي ذاتية الى حد بعيد. هناك الجمل الأولى من هذا السرد الذي أسعى الى خلطه باللاسرد لكن باسلوب ( معقول ) كنوع من التوفيقية بيني والقاريء حين يكون نصف عاد أو ربعه. أقرأ وأقرأ ثم أتقيأ معظمه في مجالات أخرى كاللاوعي أو فقدان السيطرة على الوعي في أثناء الهستيريا أوالهذيان. أحاول دائما أن أكتب بأسلوب بسيط لكن هيهات ، فهي عملية صعبة الكتابة عن أدغال كثيفة وحتى أني لا أعرف أيّ حيوانات مفترسة متربصة هناك ، ولأضف الى ذلك رعبي الدائم : الأفاعي وتلك الحشرات. في الحلم بل في دقائق من اليقظة هناك ما يفزعني. هه ، بلا هزء رجاء ! هكذا أنا لا أعرف كيف أخفي مخاوفي بل وحتى أني لا أجهر بمسّراتي. في رأسي بضعة أشرطة قمت بتصنيفها ووضعها على الرفوف كي تكون تحت اليد. حمى خفيفة تجعلني أعرق في كل الأماكن ، وتحت الأبطين وما بين الساقين خاصة. العرق صحة . يخلص الجسم من السموم ثم يعدّل درجة حرارته. لولا الصداع المرافق لتمنيت أن أعرق كل يوم ، في الليل خاصة ، فالضحية حينها هي البيجاما وليس البذلة كما في النهار. السؤال الأساس سواء عرقت أم لم أعرق : من أنا ؟ للعثور على الجواب لا بد من أن أكون صاحيا وأترك الهلوسات واللا وعييات الخ جانبا ( بالطبع سأعود اليها اثر الانتهاء من كتابة هذا النص شبه السردي أوالشبيه قليلا بالسردي ). أنا انسان يتصرف وكأنه فنان ، وهذه كلمة لاغير. وما شجعني على هذا النعت نجاحات سردية. طيّب ، أين النص هنا ؟ لا أعرف اذا كان بقدرتي أن أطرح احتقاناتي وتبخرات ايماني المتواصلة بكل هذا الوجود وسأسعى الى أن تكون نصا قريبا من السرد المالوف. اذن هل تعرفون بأن كل هذا تحوّل الى أزمة خانقة في عصر يوم أمس. في الحقيقة أنا معتاد منذ الصغر على الأزمات ، والأمر كله يخص حجمها ووطأة ثقلها الذي غالبما لا يطاق. أزمة ذلك اليوم تلك لا تخص العالم الداخلي وحده ، فقد كان هناك شعور جارف بأني تقهقرت لأكثر من سبعين سنة ووجدت نفسي ضائعا في دربونة مجهولة لكن ليس تماما اذ خامرني شعور بأني سبق أن مررت بها مع أمي التي اعتادت أن تأخذني معها عند الذهاب الى السوق. ما عزز اليقين منحدر طويل هناك وفي الأسفل بستان النخيل. نعم انه ذاك البستان الجميل ، لكني من طرف آخر وصلته الآن. خيل اليّ أن الدربونة صارت ذات منعطفات كثيرة. معنى هذا أن الخروج سيستغرق وقتا أطول. بعد وقت لا أعرف طوله وصلت الى النهاية. كانت الخضرة تحيط بي وكل شيء غارق بضوء ساطع. عندما التفت الى الوراء أخذت الدربونة تبتعد بسرعة. انتبهت الى ظهور رجل طويل القامة معدوم الملامح ، قادني من يدي الى الأمام . فتح هناك بوابة كبيرة وعالية بدفعة خفيفة من يده. رحنا صوب ساحة فسيحة. تركني هناك. لم يبق أمامي سوى التجوال كي أعرف ما الذي تحويه تلك الأبنية الواطئة التي تحيط بالساحة . أكيد أنها الجنة ! فكل شيء موجود بالمجان. عليّ الآن الرجوع الى البيت ، فواجب مدرسي ليوم غدا لم أقم به بعد ، وها أن الشمس البرتقالية الشاحبة أخذت تختفي في البستان القريب…
لا نهاية لنهايات السرديات

– نحن نشيّد السردي لأنفسنا ، وهو الخيط الذي نتبعه من يوم الى تال . الناس الذين تتفكك شخصياتهم هم من أضاعوا الخيط . بول استر Paul Auster ( 1947 ). غريب أني أضيع الخيط ، في كل مرة . قال هذا وذاك أني لم أنه أبدا النصوص بشكل صحيح. مجرد نهايات يبدو معظمها لهؤلاء غير مقنع. هاجسي هو في مكان آخر وليس القلق من أن لا تكون النهاية ( طبيعية ) ، ولم عليها أن تكون طبيعية طالما صار كل شيء مسموحا به. توقفت مرة عند كلمة همنغوي ( كل ما أريد عمله هو أن أكتب جيدا ). كلمة فضفاضة والا ما معنى ( جيدا ) ؟ أيكون معيار الجودة بيد الناقد أو القارىء أو الناشر أو زوجتي التي لاتفهم ما أكتبه. برأيي المتواضع أن تكون اللغة صحيحة وفق مسطرة القواعد وأن نعمل ثغرات / ثقوبا في السطح كي نرى كيف التيارات التحتية. أهذا يكفي ؟ ما يخفف من غلوائي أني أربط الجواب برأي من ذكرتهم . لكن ما سيحدث اذا كتبت لنفسي مثلا وضربت بعرض الحائط تلك النهايات ( الطبيعية ) اللعينة ؟ سؤال جيد ، وجوابه أنه سيحدث الكثير لكن طالما قررت ، وليس منذ اليوم ، أن يكون التجاهل / التناسي أي عنادي الشخصي ديدني فلأواصل الكتابة و.. سفرا سعيدا !. لكن الأمر لم ينته هكذا ، فجنوني أخذ يصعد مؤشره الى أعلى فأعلى: صرت أغيّر نهايات أشهر السرديات. في الأسبوع الأخير اقنعت راسكولنكوف بأن لا يقتل المرابية ويعيش هانئا بجنب تلك الفتاة . ماريا ل( من تقرع الأجراس ) لم تقصفها تلك الطائرة الألمانية بل هربت بعد الحرب الأهلية الى فرنسا ( كان من ألانسب لها ان تهرب الى الاتحاد السوفييتي ) ، أما آنا كارينينا فلم تنتحر بل عادت الى زوجها تائبة. في الحقيقة ترددت حين وصلت الى اختيار نهاية أخرى، فقد يكون ما أفعله نوعا من الكفر والهرطقة والتعرض الفظ ل( المقدس ). لم يستمر التردد طويلا ، فقد حسمت الأمر : لا معنى لهواجسك ، وماذا لو كان هؤلاء التولستويات والهمنغويات يفكرون مثلك ؟ أنها مجرد نهايات يا رجل ، ولاشيء منزلا من السماء !. بهذه الصورة واصلت قلب النهايات الى أخرى يمكن قبولها وفق مقولة الانسان طيّب بطبيعته لولا … وهكذا لم يحكموا بالاعدام على ميرسو بل صار سجنه مؤبدا ثم خفف الى خمس عشرة سنة و هكذا دواليك. لم أنتبه الا عند منتصف الليل بأني تركت الكتابة في تلك الرواية التي لن أنهيها أبدا رغم أني أكرر على النفس في كل يوم تلك الحكمة الخالدة : الانسان حدّاد مصيره …
تحولات صورة أو صورتين من الجدار المقابل للسرير
– الحقيقة التأريخية هي أن السينما قد تأسست كي تصبح سردية عن طريق تقديم قصة ونبذ كل الوجهات الأخرى الممكنة. والتقارب الذي حصل بعدها بالانطلاق من ذلك هو متواليات sequences الصور بل تكون كل لقطة استيعاب المقترحات أو بالأحرى النطق الشفاهي. جيل دولوز Gilles Deleuze ( 1925 -1995 ). أكيد أن السينما سردية وحتى لو كانت فيها ثلاث لقطات : ولادة الانسان ، ايغاله في الزمكان ، نهايته الفيزيقية. خيبتك يا رجل سردية ! في البدء حلم اللاممكن الذي بدا ممكنا. كان الاقتناع تاما بأن استبدال الكتابة بالكاميرا هو الفعل الأكثر انقلابية في حياتك. بحكم عدم النضج لم يخطر بالبال الجمع بين الاثنتين. لكن نظريا حسب. فالكتابة لاتحتاج الا الى الورق والحبر أما السينما فلابد من حشد يقف أمام الكاميرا ووراءها. في الجدار المقابل للسرير علّقت شتى الصور. في كل أسبوع أغيّر أمكنتها كي يحصل نوع من السرد. مثلا أصّف صوري منذ سني المدرسة الابتدائية ثم المتوسطة ثم الإعدادية ثم الجامعة ثم الصور مع الأصدقاء وأفراد العائلة. وها أن سردا تحقق بفضل الزمن وما فعله بي. كا حلم انغمار برغمان أن يعمل فلما لوجه انسان منذ أن كان طفلا لغاية الهرم والاستلقاء في التابوت … بعبارة أخرى عليّ أن اجمّد الزمن في صور الحائط أو بث الحياة فيه. هذه ليست لعبة بل تحقيق لبديهيات أساسية. الصديق ( أ . ك ) كان يحلم أيضا باخضاع أبطال لوحاته لتحولات الزمن. مرة أعترفت له بأن التوفيق حالفه على طول الخط وليس كما عندي ، فأنا أفتقد دائما الى بضع لقطات لفلمي الحياتي الخائب.كان الحال هكذا حتى التغيير الأخير في الأسبوع الماضي. الآن صرت أستعير بضع صور– لقطات من أماكن أخرى وليس جدار غرفتي . ها أني أشعر بقناعة عميقة. ف( الفلم ) يحقق سرديته بصورة أفضل بل أشد اثارة.لم أنتبه الا اليوم الى أن السردية قاعدة لشتى الأفعال بل صرت أجازف بالحكم على كل الظواهر وكونها ذات طبيعة سردية. نعم كل شيء سردي ، يكفي أن ننظر و نسمع كي نفقه بأن السردية هي المفتاح لقفل الزمن. تيار الوعي هو ( تنظيم ) عن عمد لشتى السرديات. الكتابة جوهرها سردي ، فتعاقب الكلمات بل الحروف ذات طبيعة سردية . هه ، ياله من هوس وهذيان ووسواس مع هذه السردية ! لأعد الى الكتابة في تلك الرواية التي مضيت في كتابة خمس وأربعين صفحة و لم يظهر فيها ولا بطلا واحدا. ليست بالفكرة العاطلة أن أجعل من الزمن بطلها، لكن الأحباط هنا يكمن في الاختيار : هل أجعله بطلا إيجابيا أم آخر سلبيا أم أمزج الاثنين ؟ المزج مغر ، فهو قريب جدا من هذا الواقع. كالعادة انت يا رجل تؤجل الجواب الى وقت آخر كأن القضايا الأخرى هي أكثر التهابا. فأنت تكتب في هذه الرواية منذ زمن الديناصورات. خشيتي أن لا تنهيها وحتى لو دمر شهاب أرضنا …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى