ملامح اللامعقول في نص مسرحية “يا للغرابة”

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد مصطفى آل خليفة أن ملامح اللامعقول في نص مسرحية ياللغرابة للدكتور مجيد حميد الجبوري تنكشف من خلال مضمون النص في الأحلام والكوابيس والموت والانتظار والعزلة والتوحد وفكرة اللاجدوى واليأس.
وقال آل خليفة في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: تتكشف ملامح اللامعقول في نص مسرحية ياللغرابة من خلال مضمون النص في الأحلام والكوابيس والموت والانتظار والعزلة والتوحد وفكرة اللاجدوى واليأس, إذ أن عالم الأحلام والكوابيس هو عامل له سيطرة واضحة على نص مسرحية ( يا للغرابة ), فالأفكار التي يستلهمانها كل من (الأول و الثاني) هي من عالم الأحلام, لها حضور واسع, إذ إن هاتين الشخصيتين بين فترة وأخرى يغوصان في حلم عميق تكون نهايته غير مقنعة, كذلك الكابوس الذي تمثل بالربوة التي كانت حاضرة معهما على طول اللوحات الثلاث للمسرحية.
وأضاف:إن فكرة الموت التي تمثل النهاية الحتمية للإنسان جاءت في هذا النص على هيأة السكون الذي ينتاب الاول تارة والثاني تارة اخرى, فهم يبدوان مهملين, وان السكون هو اقرب للموت من هذه الحياة, كما ان الاهمال الذي خيم على جو النص من الناحية الاجتماعية وعدم مشاركة احدهما في مهمة الآخر, فمثلا نجد الاول يدع الثاني لمساعدته في عملية الحفر إلا ان الثاني يرفض هذه الفكرة وفي موقف آخر نرى الثاني يطلب من الاول ان يرتقي بأفكاره والأول يرفض ايضا.
وتابع: أما العزلة والانقطاع فتظهر من خلال عدم الاتصال اجتماعيا, وفرديا فهما يعيشان لوحدهما مع أحلامهما وذكرياتهما التي باتت هي الاخرى نوع من التكرار الميكانيكي والروتين الذي يشغل حياتهم, وهذه العزلة ولدت لدى شخوص المسرحية مسألة الشعور بالغربة كما ولدت لديهم العُجب من ابسط الاشياء التي يواجهانها, فبعزلتهم هذه اصبحت حياتهم شبيهة بحياة الانسان البدائي الذي يعجب لكل شيء حتى لتلك التوافه التي لا نعيرها اية اهمية فهي بالنسبة لهم شيء عجيب وغريب, فالثاني عندما يكتشف ان الاول صار معقدا يثور عجباً منه وكأنه لم يره من قبل ولم يلتقي به ابداً.
وأوضح : أن هذه العزلة جاءت متجلية على لسان أحدى الشخصيات عندما يسأل الثاني عن سبب وجود هذه النجوم التي تتزين بها السماء الزرقاء, وعن مصدر هذه النجوم, فيوضح له الأول سبب وجودها, ويسأله مرة اخرى, هل ان ساكنيه هذا النجوم يعانون مما نعانيه نحن على هذه الأرض، كما ان عامل اللاجدوى قد تجلى في الافعال والافكار التي يجدها الاول والثاني بعد البحث عنها هي أنشطة لا جدوى منها نهائيا لأنها لا تتناسب والوضع الذي هم فيه أي انها افكار فقط, ومستوحاة من الخيال الذي وضعا نفسيهما فيه للتخلص من رتابة الحياة المملة, إذ ان جميع الافكار التي وجدت لا فائدة ترجى منها, سوى انها اداة للعب والتسلية وقتل الوقت, فلو انهم أكلوا وشبعوا وناموا واستيقظوا ومثلوا وعادوا الى ما هم عليه, بل لو انهم نفذوا كل تلك الافكار التي ابتكروها, هل ترفع عنهما كل تلك المخاوف والقلق والعذابات النفسية التي تنتابهم بالتأكيد لا, لان كل ما يفكران به هو عالم الخيال عالم غير واقعي.
وبين :أن من المفاهيم الاخرى التي لُمحت في هذا النص هو اليأس الذي ينتاب الشخصيات وهي لا تود المشاركة في عميلة القيام بفكرة الآخر لأنه يرى انها – أي فكرة الاخر – غير ذي قيمة تمكنهم من التخلص من وضعهم البائس الذي يخيم عليه الحزن والقلق والضعف وكل المآسي التي عاشوها, عندما يجد الثاني فكر النوم يُبدي الاول عدم اهتمامه بها, بل يشكك فيها. هذا اليأس القاتل والشك ابقى الاول والثاني محاصرين حتى نهاية المسرحية فهما كل ما فكرا بشيء ينتابهم هذا اليأس والحيرة معاً. ففي اللوحة الثالثة يظهر اليأس والعجز بادياً على حال الاول والثاني بسبب وجودهم في هذا الكون وهذه الحياة العبثية التي لا معنى لها ولا هدف يُقصد بل كل شيء يقومان به هو عبارة عن هواء في شبك. فالأول يتساءل عن سبب وجوده في هذا المكان.(الاول: لماذا نحن هنا؟.. لماذا لم نكن في مكان اخر؟).
وواصل :أما بالنسبة للملامح الاخرى فقد تمظهرت في المؤشرات الفنية التي حملها هذا النص المسرحية (ياللغرابة) واولها حبكة النص التي تشبه حلقة مستديرة واسعة, تخلو من النمو والتطور, فهي غزيرة بالأحداث لكنها أحداث واهية ضعيفة تفتقر الى الترابط المنطقي الذي يمكن ان يؤدي بدوره الى صراع تتضارب عنده الايرادات, فالحبكة وردت هنا خالية من العناصر التي تعتمدها الحبكة التقليدية في تناميها وبلوغها النهايات المنطقية والمعقولة والمقبولة. وختم : إن الحبكة في هذا النص تدور وتبدأ من حيث تنتهي, وأن جميع الافكار التي وجدها الثاني, والاول هي أفكار غير كاملة بحيث لا يمكن ان توصل الى نقطة يعتد بها, أو الى نهاية يكون فيها الخلاص والمنجى من هذا الوضع المزري, بل على العكس من ذلك ان الافكار كلها لا تكون معقولة, فكيف لهم ان يقوما بتهريب النفط (كـفـكرة ) من غير واسطة النقل التي يمكن من خلالها ان يتخلصا من ظروف حياتهم العبثية, او يسعدا ويكونا في حال افضل مما هم فيه, فهذه الفكرة وغيرها من الافكار التي وجدوها كلها تتوقف عند نهايات معقدة تجعلهما يعودا الى البحث من جديد على فكرة اخرى, وهكذا تبقى الشخصيتان في عملية بحث مستديرة داخل حلقة مفرغة.



