المسارات المحتملة لتفادي حرب مباشرة بين روسيا والناتو

بقلم/منذر سليمان..
الدفع باتجاه التوتر والتلويح بالخيار العسكري هو السمة الأبرز لإدارة الأزمات بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والمسألة الأوكرانية ليست استثناء لعقيدة متجذرة في “تفوق أميركا على العالم”، بصرف النظر عن الحقائق التاريخية والوقائع الجيوسياسية التي تتحكم في خيارات أوكرانيا “التي كانت موحّدة”، وباتت تنهشها أطماع الغرب لاستغلال موقعها كخاصرة رخوة لتقويض روسيا الصاعدة، ومنصّة انطلاق أيضاً في الصراع الأميركي الأوسع ضد الصين.
الإجابة عن كيفية نظر النخب السياسية والفكرية، وحتى العسكرية الأميركية، إلى تبلور الصراع الأميركي – الروسي وأوكرانيا في محوره ليست بالأمر العسير. ويمكن الاستدلال على شبه إجماع بين تلك المراكز المؤثرة في صنع القرار السياسي، والتي تنسب نقطة البداية فيها إلى عهد الرئيس كلينتون، وبعده صعود الرئيس جورج بوش الابن، وتبنّيه سياسة إذكاء العداء لروسيا، ثم سعيه لاستمالة رئيس الوزراء الأوكراني آنذاك، فيكتور يانكوفيتش، بضمّ أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فرفض الأخير، “وجرت إطاحة يانكوفيتش في تظاهرات طالبت بعزله بعد تعليق حكومته توقيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي“.
سياسة العداء الأميركي لروسيا صعدت منذئذ إلى مرحلة حصارها التي نشهدها حالياً، والتي بنى عليها الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في قمة لحلف “الناتو” في العام 2008، بإدراج انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، واندلاع أزمة روسية مع جورجيا في العام نفسه، وأخرى مع أوكرانيا في العام 2014.
انضمام أوكرانيا إلى “الناتو” كان دوماً “خطاً أحمر” بالنسبة إلى روسيا، وأيّدها في ذلك أبرز خبراء الاستراتيجية الأميركية في الشؤون الروسية جورج كينان وهنري كيسنجر. الأخير قالها بصريح العبارة: “أوكرانيا كانت جزءاً من روسيا منذ عقود. لا يجب على أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو، بل عليها انتهاج مسار (حيادي) قريب من النموذج الفنلندي” (مقال لكيسنجر بعنوان “كيف ستنتهي أزمة أوكرانيا”، صحيفة “واشنطن بوست”، 6 آذار/مارس 2014).
وبناء عليه، باستطاعتنا القول إنَّ “أزمة أوكرانيا”، بمعزل عن التصعيد العسكري الأميركي والغربي، بدأ يُنظر إليها من زاوية توازي المطالب الروسيّة: تسليم النخب الأميركية بتقسيم أوكرانيا، شرقها تحت النفوذ الروسي، وغربها حليف لأميركا، واتباع سياسة الحياد.
أما المطلب الروسي الأوسع، إخراج منظومات الأسلحة والصواريخ النووية من أوروبا، فلم يدخل دائرة الجدل العلني، بل جاء تلميحاً بأنَّ القضايا الكبرى ستكون مادة للقاء قمة مفترض بين الرئيسين الأميركي والروسي، بحسب السياسيين والنخب الأميركية.
جرى تداول عدد من السيناريوهات المحتملة في أوساط النخب السياسية والفكرية لما قد يؤدي إليه الصراع الراهن بالاستناد إلى تدفق السلاح الغربي إلى بعض مناطق أوكرانيا، أبرزها التقسيم الواقعي لمنطقتين متضادتين في التوجه والانتماء بفعل تحقيق روسيا “بعض” مطالبها، ومصير العاصمة كييف يقرره سير العمليات الراهن، إذ تأمل واشنطن نجاح خيارها في إدامة العمليات العسكرية، وجرّ روسيا إلى خوض حرب عصابات قد تمتدّ لمدة طويلة، بعد إعلان حكومة منفى إذا نجا زيلينسكي وانسحب إلى دولة مجاورة يتوقع أن تكون بولندا.
وقد يحصل نوع من التراجع من قبل واشنطن، تحت ضغط الإنجازات الميدانية الروسية، إلى طرح صيغة مؤداها التوصل إلى توقيع “اتفاقية سلام” بين موسكو وكييف، بحضور مكثف لواشنطن، وما يعنيه ضمناً تسليم الأخيرة بضم جمهوريتي إقليم دونباس إلى روسيا، وتعهّد كييف بعدم الانضمام إلى حلف “الناتو“.
وليس مستبعداً التسليم بمطلب روسيا بعدم تسليح أوكرانيا بأسلحة ومعدات ثقيلة ومنظومات صواريخ مضادة، رغم أن فرض وقف إطلاق النار في المرحلة الحالية ليس في مصلحة القوتين العظميين، لكن ذلك لا يمنع التوصل إلى ترتيبات مؤقتة لدواعٍ إنسانية.
أما الجانب الرغبوي الذي تروّجه واشنطن، فيتمحور حول حدوث انقلاب في موسكو يطيح بالرئيس بوتين تحت غطاء تنامي التظاهرات الروسية المناوئة للحرب، والتودّد إلى بعض أفراد القطاعات العسكرية، وخصوصاً من قبل المجندين إلزامياً، بتعطيل معداتها العسكرية.
في الوقائع الصلبة أيضاً، نشهد تداول “مخارج” متعددة للأزمة من قبل مجموعة الخبراء والسياسيين والدبلوماسيين السابقين، أنصار الواقعية السياسية، مؤكدين أنّ حلف الناتو “ليس من مصلحته خوض حرب مع روسيا بسبب منطقة دونباس الأوكرانية، وسيدفع الأوكرانيون ثمناً باهظاً لسياسة تهوّر الولايات المتحدة وتغزّلها بأوكرانيا كعضو مستقبلي في الناتو، من دون أي نية حقيقية للالتزام بالدفاع عنها“.
عزّزت تلك النداءات الواقعية يومية “فورين بوليسي”، المقربة من البيت الأبيض، في تقرير قبل بضعة أيام، بالجزم قائلة: “لا أحد، لا جو بايدن أو فلاديمير بوتين، يبدي قدراً من معرفة آفاق نهاية” الأزمة الراهنة المستمرة في التصاعد والاستقطاب، الأمر الذي يفتح كوة جديدة في باب “التفاوض” والبدء ببلورة تفاهمات بين واشنطن وموسكو.
من المفيد استعادة تحذير النخب الفكرية الأميركية بشكل خاص بشأن أوكرانيا، منذ بدء “غزل البيت الأبيض” مع أوكرانيا بعد نجاح ثورتها الملوّنة في العام 2014، أبرزهم الاستراتيجي والأستاذ الجامعي جون ميرشايمر في ندوة في العام 2015، قائلاً: “الغرب يقود أوكرانيا إلى مسار اللهو واللعب، وإلى الهلاك، والنتيجة هي تدمير أوكرانيا. إن ما نفعله الآن، في الحقيقة، يشجّع تلك النتيجة”.


