ثقافية

هيمنة الخراب والفساد في قصيدة “أوراق مدينة”

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الدكتور محمد ونان جاسم هيمنة الخراب والفساد في قصيدة “أوراق مدينة” للشاعر فاضل حاتم إحدى قصائد مجموعته التي حملت اسم القصيدة نفسه والصادرة عام 2020 من منشورات كلكامش.  

وقال جاسم في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي “: تُعَدُّ الديستوبيا صورة من صور الشرّ ووسيلة من وسائل المرض النفسي الفردي أو الجمعي ومآلاً من مآلات السوء الكلي، وإشكالية من إشكاليات الوجود الإنساني من دون بتر لسياقاته، وتُعنى الديستوبيا بالمدن الفاسدة التي لا ترمي إلى سعادة أفرادها) (1)، وأرى أن الأرض اليباب والأماكن المتدنية من متبنياتها، وكذلك الطبيعة غير المتناسبة.

وأضاف: وسنقف في هذا المقام محللين الديستوبيا في قصيدة (أوراق مدينة) للشاعر العراقي فاضل حاتم وهي إحدى قصائد مجموعته التي حملت اسم القصيدة نفسه والصادرة عام 2020 من منشورات كلكامش فقد تكونت القصيدة هندسياً من ثلاث ورقات وكان الأولى أن يسمّيها شاعرها بذلك لا أوراق بحكم المعنى المضمر لجمع المؤنث السالم المتعلق بالقلّة، وضمَّت كل ورقة مقاطع شعرية هرمية ففي المقطع الأول مقطعان وفي الثاني ثلاثة مقاطع وفي الثالث أربعة مقاطع وكانت ألفاظ الخراب مهيمنة على المقاطع جميعها فأوحى لنا البناء الهرمي الاتساعي بمبدأ (اللا حلٍّ)، وعضَّد هذا المبدأ نكرانية المكان إذ ورد المكان (مدينة) نكرة ليحيل الخراب إلى كونية المكان وكلانية الحدث التجميعية

الورقة الأولى:المقطع الأول:

 يقول الشاعر في هذا المقطع:

ويمضي النهارُ على سكَّةٍ خالية

على مُدنٍ خاويةٍ بالية

كأنَّ الوجوهَ تنامُ بأحداقها

صلالُ الرمالِ

كأنَّ الأفاعي بكلِّ الدروبِ

غبارٌ

      ودخانٌ

                مثل السحاب

وتابع :نلحظ أنّ المقطع الأول قد بُني على أربعة مبان هي :هيمنة الخراب والفساد من خلال التكثيف اللفظي التجميعي لألفاظهما وتركيباتهما بوضعهما الحقيقي لا المجازي نحو (خالية – خاوية – بالية- الأفاعي – غبار – دخان – ذباب – – أغاني السجون – لحن الخراب – حزن اليتامى – قرية خاوية – كف تشير إلى خربة – الشاعر – جنود السلطان – تنور الخباز – مقبرة السكراب – حزيران الشاعر – ثنائية الضوء والظلمة – نمل التاريخ – أسراب الجراد ) رسم هذا التكثيف اللفظي بنوعيه ديستوبيا ورقة المدينة الأولى، والمأخذ الوحيد على هذا المقطع إيراد الشاعر لفظ (سحاب ) الذي يحمل في طياته بعداً إيجابياً منافياً للدلالة الكبرى للمقطع الشعري، ومغايراً لأسلوب التناسب، وفي هذا المقام لانرى أنَّ ما ذهب إليه التنوخي في (أنّ التناسب يكثر في الألفاظ لا في المعاني)(4) ففي هذا الرأي خلل فالتناسب منحى بلاغي يحضر في الأمرين على حدٍّ سواء.

واوضح : إن  بحر المتقارب الذي أراه ملائماً لحالة الضيق النفسي التي يمرُّ بها الباحث؛ بحكم المسافة الإيقاعية الصغيرة التي يشترطها هذا البحر.

المقطع الثاني:

يقول في هذا المقطع:

أرتقي سلالم بلا نهاية كزورق فضي

يدفعه الموجُ —–

بداخل مربع المدينة المختنقة بصندوق قديم

أتلمس النوافذ المضاءة بفنديل زيت

همهمات الجوع في ليل الشتاء

والبكاء يصَّاعدُ نشيجُه خلف أبواب المساء

وواصل : خالف هذا المقطع سابقه بابتعاده من الشكل الإيقاعي وحاول الباثُّ أن يكونَ فيه  قريباً من اشتراطات قصيدة النثرفي رفضها الوزن الشعري واتكائها على الموسيقى بخلاف قصيدة التفعيلة في المقطع الأول المتكئ على الموسيقى التي خلقها بحر المتقارب، وفي هذا المقام أعترض على ما ذهب إليه أغلب المهتمين بموضوع التمييز بين قصيدة النثر والقصيدة الوزنية حين صنَّفوا الموسيقى إلى صنفين خارجية؛ فليس هناك موسيقى خارجية والموسيقى بجميع أشكالها هي داخلية صادرة من داخل النصِّ وحضرت الديستوبيا في هذا المقطع حضوراً واضحاً من خلال أمرين أولهما انسجام لاءات ثلاثة هي: (اللا تناهي) فهو يرتقي سلالم لا نهاية لها وأقدامه تلهث نحو الأفق البعيد والموت والقدر لا يلتقيان إنه (اللا تناهي) الموازي لـ (اللا الثانية لا اللاحل) التي أشرنا إليها في المقطع الأول، وثالثها (لا أللا إرداة) فالزورق الفضي يدفعه الموج نحو المجهول فهي مدينة خربة فاسدة فيها فضلاً عن ذلك مع إيراده لمفاتيح الديستوبيا وأدواتها نحو (اختناق المدينة -الصندوق القديم – همهمات الجوع – البكاء المتصاعد- نغزات الأُبَر- برد الشوارع – عواء الذئاب ) .

وأوضح :ستكشف القراءة التفصيلية للورقات الثلاث قدرة فاضل حاتم على تمكين الكفاءة الرمزية والكفاءة الرمزية هي (القوة الأدائية للاستخدام العام للعقل؛ فنجد مدينة التوابيت المنتهكة بفعل السياسة مع إشارات لفظية دالة على أمريكا منها على سبيل المثال لا الحصر نطف المارينز، ونجد ركود الحياة المُرسخ لفساد المدينة الذي رمز إليه بـ(حزن المباني)، لقد سعى الشاعر من خلال ورقاته ومقاطعه التسعة إلى تجسيد الفساد وتبنين الخسارات وتثبيت النكوص النفسي على مستوى الفرد والمجموع على حدٍّ سواء.

وختم : أن حكايات علي الوردي الاجتماعية لا يمكن الاعتماد عليها حين ندرس الديستوبيا الاجتماعية لأنها آراء شخصية انطباعية لا غير، والمقام هنا لا يسع لدراسة المنجز الشعري لفاضل حاتم برمته، ففي هذا المنجز كان للديستوبيا النصية الضامّة للمحافل الثلاثة التي أشرنا إليها حضورٌ واضحٌ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى