«الماضي البسيط» .. سيرة ذاتية للتشابه إلى حد التطابق بين البطل والكاتب

إبراهيم مشارة..
لم تُثِرْ رواية مغاربية من الجدل والتحفظ بشأنها والاعتراض، ما أثارته رواية «الماضي البسيط» للروائي المغربي إدريس الشرايبي (1926/2007) بل كتب بعض النقاد الغربيين عن الشرايبي المهمش وروايته التي لم تلق ترحيبا في المغرب والعالم العربي، ولا ترجمة واحتفاء من قبل الكتاب والنقاد العرب، شأن كتاب آخرين يكتبون بالفرنسية كالطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي مثلا.
تتطرق الرواية إلى قصة مراهق مغربي وعائلته في الأربعينيات زمن الحرب الكبرى في مدينة الجديدة، فالأب من الموسرين يشتغل في تجارة الشاي بالجملة، يتسم في معاملته لزوجته وأولاده بالمحافظة الشكلية والاستبداد في الوقت ذاته، لكن هذا لا يمنعه من أن يختلس المتعة وأن ينفق على لذاته، ويسميه الكاتب على لسان أحد أولاده (السيد) والأم مخلصة طيعة لينة منحدرة من فاس، تخلص في تربية أبنائها وطاعة زوجها، ثم الأولاد، الصغير (حميد) قتله والده وزورت شهادة على أنه مات بمرض معد، هربا من المتابعة، ثم دفن، أما البطل (إدريس) فهو المشاكس والمعترض على والده، الكاره للشرق، كما يقول، المنبهر بالغرب وقد صمم على أن يختط لنفسه طريقا غير التي يريدها له والده، فقد طلب العلم وعب من الثقافة الغربية، واختلط بالفرنسيين الذين كانوا يعيشون في المغرب زمن الحماية الفرنسية على المغرب، ثم الحرب الكونية الثانية، وتنتهي الرواية بنجاح الولد إدريس وسفره إلى فرنسا للدراسة.
لطالما نظر إلى هذه الرواية على أنها سيرة ذاتية للتشابه، إلى حد التطابق بين البطل (إدريس) في الرواية وحياة الكاتب ذاته، وإن كان إدريس الشرايبي ظل ينفي ذلك، لكن هذا لا ينفي وجود تقاطعات مع حياة الكاتب بل تقاطعات كبيرة جدا. فمن ناحية الرؤية الفنية والتقنية الروائية المستخدمة في هذه الرواية، يمكن القول بجزم كبير، إن الكاتب مارس فعليا الحداثة الروائية، فلم يكتب رواية تندرج في سياق الكتابة الإثنوغرافية التي ولع بها مجايلوه في شمال افريقيا عامة، وكان لهم عذرهم، فهم يناضلون بالكلمة خاصة في الجزائر، بل تصدى الكاتب إلى تعرية الذات وجلدها في الوقت ذاته، فالتخلف ليس نتيجة للآخر المستعمر، بل هما معا نتيجة لثقل التاريخ وسلبية الثقافة الشرقية بعاداتها، وحتى نظرتها المتخلفة للإنسان والعالم، وهي نظرة تاريخية فقدت مبرر استمرارها أمام الثورة العلمية والصناعية، وجدارة الإنسان وحده في تقرير مصيره ورسم خريطة طريق لحياته ومصيره.
وقد وظف الكاتب لأول مرة في الأدب المغاربي ، أسلوبا روائيا جديدا مستلهما مدرسة فوكنر تقوم على تشظي الزمن السردي، وتقاطع محكيات متعددة على طريقة خاصة في وصف الشخصيات والأمكنة. وعادة ما يقدم الشرايبي إلى القراء على أنه الأديب المشاكس أو الساخر، ففي كتاباته تمتزج السخرية بالجد، وروح المجازفة في ارتياد آفاق بكر، مفضلا تقديم وجهات نظره الخاصة واختياراته الفنية ورؤيته الفنية والجمالية، والاحتكام إلى حمولة فكرية وأيديولوجية، حتى إن سخط الساخطون واعترض المعترضون، رافضا أن يجعل من قلمه قلما إثنوغرافيا مفخما الـ(نحن) مشيدا باختلافها وتمايزها في مواجهة الآخر المستعمر.



