مؤتمر الدوحة يزيد تعري المعارضة السورية وتشرذمها البنيوي وخضوعها الإقليمي

بقلم/محمّد نادر العمري..
رغم مرور أكثر من عقد من الزمن على نشوب الحرب ضد سوريا، وتعقّد طبيعة الصراع، وزيادة القوى الدولية والإقليمية والفواعل الداخلية المتصارعة داخل إطارها الجغرافي، ما زالت الأزمات تتصاعد على مستوى ما يسمى “المعارضة السورية الخارجية” يوماً تلو الآخر، كان آخرها التجاذبات التي شهدها ما يسمى “الائتلاف الوطني”، والتي تمثلت مؤخراً بتبادل الاتهامات بالخيانة والفساد بين رموزه، ما ساهم في انشطاره إلى نصفين، حتى إن تباين المواقف الناجمة عن تعديل نظامه الداخلي بنسخته الأولية أو ما عرف بـ”المسودة” زاد حدة الانشطار، وهي صيغة من التناقضات التي تعمّقت بعد إدخال ما عُرف بحزمة المستقلين الجدد لهيأة التفاوض السورية.
وقد شكّل ما عُرف بمؤتمر الدوحة للمعارضة السورية مؤخراً أكثر الصور التعبيرية في المزاوجة بين الصراعات المتجذرة والتوافقات الهشة والقدرة الكبيرة على استغلال الملف السوري وجزئياته المتعددة من قبل الدول الإقليمية، لتكون حصان طروادة يمكّنها من التدخل في الأزمة السورية بمفردات متعددة، بما فيها المعارضة الخارجية. وبغض النظر عن مشروعية هذه المعارضات ونياتها، فإن المتتبع لما جرى قبيل وأثناء المؤتمر يدرك الحقائق التالية:
أولاً، هذه المعارضات لا تمتلك استقلالية في قراراتها وتوجهاتها، وهي تفتقر إلى مرونة تقبل الآخر، وتستند في قوة وجودها إلى عواصم الدول التي تتيح لها حرية الوجود والاجتماعات المضبوطة، وهو ما برز من خلال التسريبات التي شهدتها مرحلة توجيه الدعوات إلى مؤتمر الدوحة، ومسارعة بعض رموز الائتلاف إلى طلب الاجتماع بمسؤولين أتراك، بغية وقف الورشة التي دعا إليها رئيس الحكومة السورية السابق رياض حجاب.
وقد جرى هذا الاجتماع في أنقرة بتاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وجمع وفداً من قيادة “الائتلاف” برئاسة المسلط مع ممثل من وزارة الخارجية التركي وممثل آخر عن جهاز المخابرات التركية، وأظهر كيف تمثل تركيا المرجعية الواقعية للائتلاف، وكيف ترسم سياسته، وتتدخّل في شؤونه التنظيمية، وتضبط العلاقة بينه وبين أطياف المعارضة الأخرى، وصولاً إلى تسمية من تريد تعيينهم في المواقع القيادية. ومما يؤكّد هذه التبعية المطلقة للائتلاف المعارض لتوجيهات الجانب التركي، هو قبول الأول بنصيحة حضور الورشة.
ثانياً، هذه المعارضات تعيش أجواء من التنافس بينها لاحتكار القرار السياسي، وهي في الوقت ذاته لا تتمتّع بمرونة وجود أكثر من معارضة أخرى، ولا تقر بقبول الآخر حتى ضمن التصنيف ذاته، أي المعارض – وفق الادعاءات – وخير دليل على ذلك هو إقدام الائتلاف وغيره من مكونات المعارضة على اتهام رياض الحجاب بأنه يهدف من خلال عقد ورشة الدوحة إلى الترويج مجدداً لنفسه، وتقديم ذاته على أنه قادر على جمع شتات المعارضة، وتقليص دور المكونات المعارضة، من خلال سعيه لاستقطاب مراكز الدراسات والبحوث.
ثالثاً، استمرار توظيف المعارضة إقليمياً للحفاظ على تأثيرها ودورها في الملف السوري. وعلى الرغم من وجود مسار توافقي تركي – قطري على المستويات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، فإنَّ هذه الورشة أظهرت مدى التنافس بين الدول الحليفة لاستثمار ملف المعارضة.
وقد تجلّى ذلك باعتراض تركيا بداية، وممارسة ضغوطها على قطر لإلغاء المؤتمر، ومن ثم تأجيله في فترة سابقة، ضمن مساعيها لإفراغه من هدفه الذي شكل دافعاً لحراك تركي تضمن الضغط على شخصيات سياسية قطرية، من أجل عدم إنجاح تحول المؤتمر الذي يعقده حجاب إلى جسم سياسي سوري معارض جديد قد يهدد أجسام المعارضة السابقة، كالائتلاف والهيئة السورية للتفاوض.
والسبب الرئيس الذي عرضته أنقره لتعطيل الجسم المعارض الجديد، هو أنَّ حجاب شخصية لا تتفق مع الرؤية الروسية، كما أنَّ لدى رئيس الوزراء السوري السابق تصريحات معادية لموسكو في العديد من المحافل الدولية، وهو ما نجحت تركيا بالترويج له عبر إثارة مخاوفها، معتبرةً أن نجاح المؤتمر سيزيد تأزم الحل السياسي الذي تقوده مع موسكو عبر مسار “أستانا”، في حال ترأس حجاب جسماً سورياً معارضاً، لأنه سيحظى، وفق زعمها، بدعم دولي غربي، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. كما أنَّ حجاب شخصية مقبولة من السعودية، وهو ما سيدفعه في مرحلة مقبلة إلى الارتماء في حضنها.
أما قطر التي استضافت المؤتمر على أراضيها بهدف إعادة دورها وتأثيرها في الملف السوري، فقد خضعت للضغوط التركية. ويعود السبب في ذلك إلى أنَّها تريد البقاء في الوسط وعدم استعداء إيران وتركيا وروسيا من جانب، وتسعى لتجنّب الانخراط في المحور العربي – الغربي المعادي لإيران من جهة ثانية، بعد أن فشل محور السعودية – الإمارات في تغيير موقف سوريا بالتخلّي عن العلاقة الاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتراجع الدور الأميركي في المنطقة، وإعطاء الصراع مع روسيا والصين الأولوية.
إنّ استمرار وضعها المتشرذم هذا وارتماءها في عواصم الدول الإقليمية لن يقوداها إلى أي نتيجة، وستكون خارج أيّ صفقة سياسية أو تسوية تُعقد في حال وجود إرادة دولية لحلّ الأزمة السورية. ربما ينبغي لهذه المعارضة أن تقتنع بالمثل الذي يقول إنَّ “ثوب العيرة لا يدفي”.


