أوكرانيا تعيد روسيا كقطب عالميّ

بقلم/محمد علي فقيه..
تشكّل إعادة أوكرانيا إلى الفلك الروسي جزءاً أساسياً من عقيدة الرئيس فلاديمير بوتين القائمة على مبدأ تأمين المجال الأمني لروسيا، ومحاولته دفع الغرب إلى التعامل مع بلاده كأنها لا تزال الاتحاد السوفياتي السابق الذي يحلم باستعادة مجده.
يعرف الباحث في الشخصية الروسية أنَّ روسيا لا يمكن أن تعيش من دون إمبراطورية. وإلا، لماذا وصف الرئيس بوتين انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991 بأنه “كان تفككاً لروسيا التاريخية تحت اسم الاتحاد السوفياتي”، وأنه “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.
يعتقد الرئيس بوتين أنَّ لديه مهمّة تاريخيّة، تقتضي بوقف التوسع الغربي إلى منطقة نفوذه، فأوكرانيا بالنسبة إليه هي خط أحمر، من أجل الحفاظ على الأمن في روسيا. هذه المهمة مرتبطة بصراع أوسع بين روسيا والغرب، عنوانه الأبرز ما تكرّره موسكو عن “توسع حلف الناتو شرقاً”، ومن ضمنه محاولات الحلف لضمّ أوكرانيا ودول أخرى إلى عضويته بناء على طلبها، الأمر الذي ترفضه موسكو، التي لم تكتفِ بالرفض السياسي، بل حدَّدت عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الانضمام كواحدٍ من سببين للحرب، ليكون السبب الثاني هو محاولة انتزاع شبه جزيرة القرم من روسيا بالقوّة. هنا، يمكن القول إنَّ الغرب يعتبر الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا سبباً للأزمة، في حين تعتبرها موسكو نتيجة.
منذ وصول بوتين إلى السلطة في العام 2000، كان همه الأكبر هو تحدّي حلف الناتو، الذي يعتبر أنه لا يحاول دعم دول الاتحاد السوفياتي السابق أو ضمّها فحسب، ولكنّه يهدد روسيا نفسها أيضاً، فقد غزا الغرب في الماضي روسيا. وأثناء الحرب الأهلية بين 1917-1922، قامت القوات المتحالفة والمعادية للبلشفيك بغزوها، بما فيها القوات الأميركية. وقد غزتها ألمانيا مرتين، ما تسبّب بخسارة 26 مليون مواطن سوفياتي في الحرب العالمية الثانية.
لم يتوقّف بوتين عن الشكوى من عدم احترام النظام الدولي لقلق روسيا الأمني، وطالب الغرب باحترام حق روسيا في مجال الاتحاد السوفياتي السابق. ولهذا، قام بالتدخّل في الدول الجارة، مثل جورجيا في العام 2008، وأوكرانيا في العام 2014، وكازاخستان هذا العام، لمنع تحركها خارج الفلك الروسي والوقوف أمام أيّ عملية ميل كامل نحو الغرب.
ومما يزيد قلق الرئيس الروسي قوله: “تخيَّل أنَّ أوكرانيا عضو في الناتو، وأن عملية عسكرية لاستعادة شبه جزيرة القرم بدأت… ماذا! هل نحارب الناتو؟ هل فكّر أحد في ذلك؟ يبدو أنَّهم لم يفعلوا ذلك؟”. واعتبرت وكالة “أسوشيتد برس”، في تقرير لها، أنَّ قوله هو “تذكير بما تعنيه عضوية الناتو، فالهجوم على عضو واحد يعني هجوماً على الجميع، وهو ما يعني في الحالة النظرية أنّ هناك التزاماً قانونياً من قبل جميع أعضاء الناتو للدفاع عن أوكرانيا”.
دخلت روسيا في حرب مع جورجيا في العام 2008، واستعادت جزيرة القرم، وتوغلت في شرق أوكرانيا في العام 2014 من خلال إعلان جمهوريتي “لوغانسك” و”دونباس” بعد سلخهما عنها، وتدخّلت في الحرب السورية في العام 2015. وقد اعتُبر هذا التدخل العودة الثانية لروسيا إلى الشرق الأوسط بعد التدخّل الأول في العام 1956 بعد هزيمة العدوان الثلاثي. يضاف إلي ذلك، التدخل الروسي في ليبيا حيث وثقت العلاقة مع الجنرال خليفة حفتر.
وفي حال لم يُترجم التصعيد إلى حرب، فلا بدّ من مخرج، كأن تعترف واشنطن بمصالح روسيا الأمنية في أوكرانيا، وتصرّ “لفظياً” على حقّ كييف باختيار حلفائها على المدى البعيد. وبذلك، تكون الولايات المتحدة قد سلَّمت بنفوذ موسكو الإقليمي، في حين تسحب روسيا قواتها بعيداً عن حدود أوكرانيا، ولا تحاول تغيير نظامها السياسي المتحالف مع الغرب.
لا أعتقد أبداً أنَّ الرئيس بوتين سيسمح لنفسه بإعطاء الغرب فرصته الثمينة بأن يبدأ بشنّ حرب ضد أوكرانيا، فربما يكون ذلك فرصة نادرة للغرب ليستجمع قواه ويتوحّد تحت غطاء عالمي، كما حصل أثناء غزو أفغانستان والعراق في العام 2003.
تطالب روسيا والصين وإيران بنظام جديد وبعالم متعدد الأقطاب تمارس فيه تأثيراً، وهناك عدد من المحللين الذين يرون أن الخيار الأفضل هو ما حدث أثناء الحرب الباردة، إذ احترم الاتحاد السوفياتي وأميركا تأثير كلّ منهما في مجاله الجغرافي، وتم نزع فتيل أهم وأخطر أزمتين في ذلك العهد:
الأزمة الأولى هي إنذار برلين النهائي للرئيس الروسي نيكيتا خرتشوف في العام 1958، وهي الأزمة الأكبر والأطول بين الأزمات العسكرية والسياسية الإقليمية في تلك الفترة، إذ استمرّت حتى العام 1963، واعتبر الرئيس خرتشوف أنَّ تسوية المشكلة الألمانية، وفقاً للشروط التي اقترحتها موسكو، ستؤدي أولاً إلى تحييد جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية). وبعد مرور بعض الوقت، ستؤدي ثانياً إلى اتفاقية عدم اعتداء جديدة في العلاقات بين ألمانيا الغربية والاتحاد السوفياتي.
الأزمة الثانية هي أزمة الصواريخ الكوبية 1962، إذ وصل العالم إلى حافة الحرب النووية، وظلَّ على أعصابه طيلة 13 يوماً، بسبب أزمة نشر الصواريخ السوفياتية في “خليج الخنازير” في كوبا، وتوصّل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلى حل وسط.



