إماطة اللثام عن صفقة سعودية ـ إسرائيلية جديدة

المراقب العراقي/ متابعة..
لعل “إضفاء الطابع العلني والرسمي” للعلاقة بين السعودية والکيان الصهيوني هو مصطلح أنسب من “التطبيع”، لأن الجانبين يتعاونان في مختلف المجالات منذ العقود الماضية، وقد التقى المسؤولون في الرياض وتل أبيب عدة مرات.
ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد، الاجتماع السري لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة نيوم على الساحل الشمالي الغربي للسعودية، والذي تم بحضور مايك بومبيو وزير خارجية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في نوفمبر 2020. وکان هذا هو ثالث لقاء بين الجانبين، حسب وسائل الإعلام العربية.
بعد توقيع اتفاقية التطبيع بين الدول العربية، بما في ذلك الإمارات والبحرين، مع الصهاينة منتصف عام 2020، ازداد تعطش نظام آل سعود لاتفاقية مماثلة؛ لكن العقبات التي يواجهها السعوديون في هذا الطريق لا تزال قائمةً.
وأكبر عقبة في طريق تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، هي ادعاء السعودية بوصايتها على الدول العربية والإسلامية. ولهذا السبب، فإن إقامة علاقات علنية مع الصهاينة ستشكك في مصداقية السعودية وموقعها.
من ناحية أخرى، يشعر القادة السعوديون بالقلق من أنه في حال توصلهم إلى تسوية رسمية مع إسرائيل، فإن المسلمين العرب سوف ينتبهون أكثر لإيران، ويتجمعون حولها بدلاً من قبول السعودية.
ونظرًا لأن السعوديين يعتبرون إيران دائمًا العدو الأكبر لهم، فلا يمكنهم السماح بالاعتراف بجمهورية إيران الإسلامية کالداعم الأكثر أهميةً للقضية الفلسطينية في المجتمع الدولي، من خلال تخليهم تمامًا عن مبادئ الإسلام.
لكن كل هذا لا ينفي جهود الرياض الحثيثة في عملية السلام مع الصهاينة، وقد تم الكشف عن مؤشرات كثيرة في هذا الصدد.
ويشار إلى أنه حتى قبل توقيع اتفاقية التطبيع بين الإمارات والبحرين مع الکيان الصهيوني، فتحت السعودية مجالها الجوي عدة مرات أمام الرحلات الجوية إلى الأراضي المحتلة. وبعد توقيع الاتفاقات، سُمح للطائرات الإسرائيلية بعبور المجال الجوي للسعودية عدة مرات.
بشكل عام، العلاقة بين الرياض وتل أبيب ليست سريةً، وحتى السلطات السعودية لا تستطيع إخفاءها. حتى أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان تحدث عدة مرات في الدوائر الرسمية عن شروط بلاده للتسوية مع الصهاينة.
لكن ما هو مهم في العلاقات غير الرسمية الأخيرة بين السعودية والکيان الصهيوني، هو محاولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الكشف عن اتفاقية تطبيع مع إسرائيل؛ وهو ما لم يحدث بعد للأسباب المذكورة.
وفي هذا السياق، صرحت مؤخرًا المؤسسة اليهودية(JINSA)، وهي مؤسسة ضغط لمصالح الکيان الصهيوني في الولايات المتحدة: أن “أولوية محمد بن سلمان في حال وصوله إلى السلطة في السعودية هي التطبيع مع إسرائيل. إنه معروف بإهانة المسؤولين الفلسطينيين. کما أرسل ابن سلمان حتى الآن إشارات إيجابية إلى إسرائيل، واتخذ خطوات واضحة لتسهيل تطبيع العلاقات مع تل أبيب، وإحدى هذه الخطوات هي فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية بين إسرائيل والإمارات والبحرين”.
كما ذكرت مجلة الإيكونوميست الأمريكية، أن ابن سلمان فتح أبواب السعودية أمام السياح الإسرائيليين ويرحب بهم، والآن يمكن مشاهدة الأشخاص الذين يتحدثون العبرية في العديد من المعارض والاحتفالات في السعودية.
وذكرت صحيفة Globes الاقتصادية ومقرها الأراضي المحتلة في أواخر أكتوبر 2021، أن الحكومة السعودية والکيان الصهيوني قد وقعا عدة اتفاقيات تجارية في الأشهر الأخيرة بوساطة الإمارات والبحرين.
وتتعاون السعودية والکيان الصهيوني في مجالات مختلفة، من أبرزها مجال التجسس. وكانت هناك تقارير عديدة في العام الماضي عن تعاون الرياض وتل أبيب في التجسس علی الجهات التي تريدها السعودية.
وكان اختراق الهواتف المحمولة لشخصيات وسياسيين مشهورين عالميًا بواسطة برنامج تجسس خبيث متطور لشركة NSO الإسرائيلية، المعروف باسم بيغاسوس، أحد أكثر الأخبار الإعلامية إثارةً للاهتمام في الأشهر القليلة الماضية. وفي الوقت نفسه، السعودية هي واحدة من الدول التي تبين أنها استخدمت هذا البرنامج الإسرائيلي الضار.
وفي يوليو 2021، كشفت صحيفة الغارديان أن الکيان الصهيوني، وبعد عدة اجتماعات مع مسؤولي المخابرات السعودية في عام 2017، قد سمح لشركة التجسس NSO ببيع برامج تجسس من الهواتف المحمولة تسمى بيغاسوس إلى الرياض.
ومن بين الهواتف المحمولة التي اخترقتها السعودية باستخدام برنامج التجسس الإسرائيلي هذا، هاتف امرأتين مقربتين من جمال خاشقجي، الصحفي السعودي المنتقد الذي قُتل بشكل مروّع في تركيا عام 2018 بأمر من ابن سلمان.
ووفقًا لصحيفة الغارديان، بعد إذن الصهاينة ببيع بيغاسوس للسعوديين، التقى ممثلو NSO بمسؤولين سعوديين في صيف عام 2017 في فيينا وقبرص والرياض.
في الاجتماع الذي عقد في فيينا، لإقناع الجانب السعودي بالقدرات المتطورة لهذا البرنامج الخبيث، طلب الجانب الإسرائيلي من عضو الوفد السعودي ناصر القحطاني الذي قدم نفسه على أنه نائب مدير المخابرات السعودية، التوجه إلى أحد المجمعات التجارية وشراء هاتف ايفون، ثم إعطاء رقم الهاتف للإسرائيليين. ثم لاحظ الوفد السعودي كيف تمكن الإسرائيليون من اختراق الهاتف، والتنصت على الاجتماع وتصوير المشارکين فيه.
وفي نهاية المطاف، باعت NSO برنامج التجسس هذا للسعوديين، في صفقة قيمتها 55 مليون دولار. ويقال إن المستثمرين الصهاينة علموا السعوديين كيفية استخدام بيغاسوس للتجسس على أجهزة ايفون، وحتى التحكم في كاميرا الهواتف عن بعد.
غير أن صحيفة نيويورك تايمز تحدثت مؤخرًا عن جانب آخر من التعاون التجسسي للکيان الصهيوني مع السعودية ودول عربية أخرى، مؤكدةً أن إسرائيل أساءت استخدام هذه الخطة لتعزيز علاقاتها الخارجية.
ويظهر التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أن السعوديين قاموا بتمديد ترخيص استخدام أداة التجسس الإسرائيلية بيغاسوس، التي استخدمتها الرياض لتعقب خصوم النظام السعودي والصحفيين.



