مسرحية ” مُلّاية “.. صرخة احتجاج نسوية ضد الظلم والاضطهاد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الدكتور طالب هاشم بدن أن مسرحية ” مُلّاية ” تطلق صرخة احتجاج نسوية ضد الظلم والاضطهاد كما هو معهود في كتابات المؤلف عمار نعمة جابر التي تبدو أغلب مسرحيات مجموعته “انتباه” جاءت على هذا النهج بقصدية واضحة ومهمة لتوعية المجتمع الى هكذا موضوعات .
وقال بدن في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي” : صدرت ضمن مجموعة (انتباه) مونودراما مسرحية ملاية التي تعني ( الناعية في عزاء النساء بالتحديد) ، يصفها الكاتب شخصيته على أنها في الاربعين من العمر ، تدور أحداث المسرحية حولها وهي تعاني مكابدات النفس المهمومة ، يتجلى ذلك من حوارها مع النفس الذي تروي من خلاله معاناتها مع رجل تصفه بالغبي البارد لا يعرف قيمتها غير إنها أحبته وأفنت زهرة شبابها من أجله دون جدوى ، حتى قتل كل لحظات الفرح فيها وحول حياتها إلى عتمة ما حملها على إيجاد متنفس في النعي كمهنة تعبر من خلالها عن مدى الانكسار والضياع الذي تعانيه .
وتابع: فلا وسيلة سوى البكاء والنحيب على ما خلا من دهر لا رجعة له حتى صار الحزن إكليلاً من السواد يغطي ما تبقى من حياة هامدة خاوية وجدت ضالتها بين ركام من باكيات أصابهم الزمن بلعناته وصيّر حياتهن إلى ظلمة وخيبات متتالية صار نهارهن ليل كالح السواد.
وأوضح :أن العنصر المهيمن على مسرحية مُلّاية يكمن في القهر ومعاناة النفس البشرية التي بدت واضحة منذ بدايتها في محاولة اصلاح نفوس الاخرين غير ان العيش في الخذلان ما برح ان يكون هو المسيطر والواضح في كل مراحل وخطوات المسرحية الذي يؤدي إلى العزلة التي اختارتها الشخصية بشكل محايث منسجم مع ما يدور من حوادث اضطهاد وهي العزلة التي تحيلنا إلى الكشف بصورة مبكرة عن عبثية الواقع وتماهيها في روح الفرد .
وأشار الى أن دياليكتية الحياة وديمومتها عبر عملية انجاب الطفل يحمل اسم عائلة تعاني صراع داخلي عدواني جعل تنامي تمرحلات مهمة في النص أخذ يجول به إلى عالم من اللاشعور متمثلاً في قيام الزوج بضرب زوجته وإهانتها لا لشيء بل لأنها عاقر الامر الذي يضيف إلى نعيها آلاماً مضاعفة ربما صارت باعثاً لزيادة الوجع وانعكاساته على أسلوبية ما اجادت به من نعي وأصبح وسيلة للتخفيف والترفيه عن نفس مكظومة لو بقيت مكتومة لأودت بحياتها .
وواصل :يرينا الكاتب مراحل من نمو الشخصية عبر حوارها وتمرسها على النعي ، إذ تكون شخصية مركبة تعيش مراحل من الصراع تجسدت في لغة ناعية باكية ضمن بحبوحة تقوقعت فيها لتكون عالمها البديل وملجؤها الذي تفرغ به همومها .وفي انتقالة بالحوار تكشف لنا الملاية ان الزوج هو العاقر بعد محاولاته الفاشلة وزواجه لعدة نساء في محاولة لأنجاب طفل يورث اسما له ، وهنا في تغيير المواقف وتبادل الادوار يرينا الكاتب الوجه الشرقي وما تبعه من تسلط وظلم ظل ملاصقاً مجتمعاتنا ونظرتهم إلى المرأة عبر القرون ، إذ تمثل لغة الكاتب إشارات وإنتقالات والتفاتات مهمة ما ان تضع يدك على احداهن إلا وسارت بك دراما المسرحية الى عوالم من الترابط الكمي والمعرفي على وفق آلية مدروسة قادرة على ايجاد توافق زمكاني سائرة الى ملئ الفجوات والهنات التي نجدها في نصوص موازية أُخر .
وبين: أن المسرحية تعبر عن حس ثوري وتطلق صرخة احتجاج كما هو معهود في كتابات المؤلف عمار والتي تبدو أغلب مسرحيات مجموعته انتباه جاءت على هذا النهج بقصدية واضحة ومهمة لتوعية المجتمع الى هكذا موضوعات وينظر إلى واقع يكاد يهمل دور النص الاخر للرجل ، وربما رفض واستهجان لما نحن عليه من عسر في تعاملاتنا اليومية من قهرمع كائن ضعيف لا يقوى على مقاومة فحولة الرجل الشرقي ولا يدرك قيمته المتهالكة مع الزمن .
وختم :بعد كل تلك المواقف تقرر المُلّاية مواصلة النعي صارخة بألم وصوت يطغي عليه الشجن : كافي كي ” تسمعني النساء في كل مرة ، وتغفوا أرواحهن في تلك الليلة التي أنعى لهن بسلام ، يغفون على وسائدهن ، مثل طفل صغير فزع للتو من ثدي أمه ” وهي في تلك العبارات تحيلنا إلى رفض الاستمرار ليختم بها كاتبنا نصه الدرامي في تراجيدية معبرة عن وجع لا ولن ينته .



