اخر الأخبار

عاشــوراء .. ملحمــة الخلــود في كــل العصــور

13

الجزء الاول

كربلاء قضية متجذّرة في الوعي الإسلامي،ساهمت في تشكيل الوعي الحركي الثائر على الظلم و الفساد،وباتت مع تقادم الزمن أكثر رسوخاً في وجدان الأمّة، وبعبارة أخرى إنّها تلك الواقعة التي قفزت فوق الزمان و المكان، مستمدة من نور مشكاة النبوة رمزيتها، ومن لون البذل عنفوانها،فاستحالت نهجاً يحمل شعلة متوقّدة تسمو بالإنسان في آفاق العزّة و الكرامة، وتعبّر في مدلولاتها عن محورية الصراع الدائر بين الاستكبار و الاستضعاف، وبين رمز العدالة والتفاني في اللهّ و رمز الاستغراق في حطام الدنيا الفانية.
في كُلّ سنة لنا ذكرى مع أجواء عاشوراء،وفي كُلّ سنة نستعيد في وعينا و حياتنا كربلاء،لكن قيمة عاشوراء و كربلاء الذكرى أن لها لقاء في كُلّ زمن مع الأمّة،تمدها و تعطيها من حيويتها،و تدفعها إلى المواقع المتقدمة في مسيرة الحياة الكريمة فتعيش الأمّة آفاق الإمام الحسين (عليه السّلام) تلك الآفاق الواسعة الرحبة التي لا تعيش في الدوائر الضيقة ، بل تشمل العالم الإسلامي كله؛فالحسين (عليه السّلام) كان ينظر من خلال آفاق جده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي عاش الرسالة في كُلّ آفاق العالم،لأنّ الله تعالى أرسله رحمة للعالمين و من هنا كان يطرح دوماً و في كُلّ موسم لعاشوراء ـ تبياناً لأهمية ثورة كربلاء و دورها الرائد ـ شعار أنّ الإسلام “محمدي الوجود حسيني البقاء” نظراً لأهمية الدور الذي قام به الإمام الحسين (عليه السّلام) من خلال ثورته،فقد استطاع هذا الإمام أن يعيد تصويب المسار،بعد أن بدأ الانحراف السريع نتيجة لإبعاد الإسلام عن ساحة الحياة،أو على الأقلّ بتحويله إلى شكل و رسم بلا مضمون،وهذه الصورة عبر عنها الحسين(عليه السّلام) آنذاك عندما قال:”ألا و إنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمن ، و احلّوا حرام الله، و حرّموا حلاله، و استأثروا بالفيء، و عطلوا الحدود..”.
الحركة الحسينية ليست انتحارية
يصف بعض الباحثين ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) بأنها مأساة إنسانية مروعة،و يرى آخرون إنّها أشبه بعملية انتحارية لم تبلغ أهدافها،بل أسفرت عن نتائج مأساوية مؤلمة،لا تزال علامة فارقة في جبين الإنسانية،و لطخة عار في تاريخها. بيد أنّ هذا التحليل يبدو سطحياً و ساذجاً و هو مبتنِ على رؤية قاصرة لأهداف الثورة و مقاصدها و نتائجها،و يؤسف أنّ بعض علماء المسلمين لم يوفقوا لإدراك أبعاد تلك الثورة،وبليغ دروسها،وعظيم عطائها،و كانوا أقصر نظراً من الزعيم الهندي الشهير غاندي القائل:”تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما لأنتصر”.
و يظهر للمتأمل أنّ أساس الاشتباه لدى هؤلاء هو في نظرتهم لمفهومي النصر و الهزيمة،هذه النظرة الضيقة التي تحدد مفهوم النصر بمقدار النجاح العسكري فحسب،الأمر الذي لم يتحقق في نهضة الحسين(عليه السّلام)ما يجعل منها حركة فاشلة وفق المقياس المذكور.لكنّ النظرة المذكورة لمفهوم النصر غير صحيحة ومجتزأة و مشوهة و لا تلامس الحقيقة. فالحقيقة التي يدركها البصير و المتابع لحركة النهضة الحسينية و تداعياتها و نتائجها على الواقع الإسلامي ماضياً و حاضراً هي أنّ دماء الحسين (عليه السّلام) ساهمت في تغيير مجرى التاريخ الإسلامي.وأيقظت الضمائر الميتة،و حررت إرادتها،وخلقت حركة وعي في الأمّة الإسلامية كان من نتائجها حركات التمرد، و ثورات الغضب و الانتقام التي تلاحقت و تتالت ونذكر منها:
الحركات والثورات التي أعقبت واقعة الطف
1ـ بعد عام من ثورة الحسين (عليه السّلام)ثارت المدينة على يزيد،و طردت واليه و جميع الأمويين.
2 ـ و في السنة الثانية تثور مكّة المكرمة أيضاً على يزيد الطاغية.
3 ـ و يصبح حكم الأمويين مهدداً بالسقوط بعد موت يزيد،ونمو و تطور حركة المختار الثقفي.
4 ـ و بعد ذلك أخذت الحركات والثورات تتوالى،حيث ظهرت ثورة التوابين و التي تعدّ أثراً مباشراً لثورة الحسين (عليه السّلام) وقد كانت شعاراتهم (يا لثارات الحسين)،ولم تهدأ هذه الثورة حتى كانت ثورة المختار الذي قام من أجل الثأر لدماء الحسين (عليه السّلام)، فتمكن من القيام بعملين عسكري وسياسي مهمين. أما العمل العسكري فهو القضاء على الجيش الأموي،و قتل عبيد الله بن زياد الذي كان يقود هذا الجيش،والعمل السياسي هو تصفية الكوفة من جميع قتلة الحسين (عليه السّلام)،ومن أنصار الأمويين.وقد استمر هذا التحرك و الرفض في الأمّة حتى تمت الإطاحة بالحكم الأموي بعد عدة عقود من الزمن .هذا من جهة.
و من جهة أخرى فإنّ الحسين (عليه السّلام) أصبح مثلاً أعلى لكلّ الثوار،والمناضلين من أجل التحرر و الإنعتاق من نير الظالمين و المستبدين.وعندما يغدو المرء ملهماً للثوار فهذا دليل انتصار لا هزيمة،وعندما تزلزل دماؤه الزكية عروش الظالمين فهذا دليل نصر مؤزر لا مأساة مروعة.. و لكنّ السؤال هنا ما النقاط و الوسائل التي أكدها الإمام في نهضته، و كان لها الدور و التأثير البالغ في ضمير الأمّة و إرادتها،ثمّ كان لها هذا التأثير البالغ في جميع الأجيال و العصور؟.وفي معرض الجواب على هذا السؤال يجدر بنا أولاً أن نعالج العناوين التالية :
1 ـ دراسة دوافع الثورة الحسينية،و أسباب هذه الحركة التي قام بها الإمام الحسين (عليه السّلام).
2 ـ الجواب على السؤال الذي مازال موجوداً في كثير من أذهان الدارسين و الباحثين عن ثورة الحسين (عليه السّلام)، وهذا السؤال هو:لماذا لم يكن هدف الحسين(عليه السّلام)هو الوصول على السلطة؟. ثمّ الأهمّ من ذلك،لماذا لم يتحقق للحسين(عليه السّلام)أن يصل إلى تغيير الحكم و الإطاحة بنظام يزيد بن معاوية؟ و بصدد الجواب على هذا السؤال نفسه، لابد لنا من
أ ـ أن نتعرف على الشروط الأساسية العامة التي يجب أن تتوفر في الثورة الناجحة.
ب ـ البحث عن وجود هذه الشروط الأساس و توفرها في ثورة الحسين (عليه السّلام) أو عدم توفرها.
ج ـ إذا وجدناها متوفرة في ثورة الحسين(عليه السّلام)،يطرح السؤال نفسه مرة أخرى و هو:لماذا لم تتمكن ثورة الحسين (عليه السّلام) من أن تحقق هدف الإطاحة بحكم يزيد،على الرغم من إنّها كانت تستجمع الشروط التي لابد لكلّ ثورة ناجحة أن تستجمعها؟!.وفي حديثنا القادم سنبين التفسيرات والآراء التي طرحت حول دوافع الحركة أو النهضة الحسينية على اختلافاتها وتباينها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى