ثقافية

ملف الحسين في ضمير الشعر العربي الثورة الحسينيَّة ملهمة الشعراء والمبدعين

KJL;PKLI

من حق الحسين علينا “صلوات ربي وسلامه عليه” أن نكرس له ونحن نعيش أيامه العاشورائية الخالدة صفحة المراقب الثقافي من خلال ملف ينفتح على فضاء واقعة الطف الخالدة وابعادها الفكرية التي انعكست في منجز الشعر العربي لتكون في موقع الصدارة من ضميره الزاخر بالابداع .. اذن تكون صفحتنا هذه الايام غير تقليدية وترجأ حتى حين نشر بعض الاخبار والفقرات الثقافية لتكون منذورة في مدار الحسين ملحمة الاباء الخالدة أبدا.
المحرر    فاطمة خشّاب درويش

فتح الإمام الحسين)ع( من خلال ثورته الفريدة، ووقفته المجيدة، وصرخته الخالدة، للشّعراء والأدباء والفنانين والمفكرين، وسائر المهتمّين بالفكر الإنساني وقضايا العدل والحرية والسلام، أبواب الإبداع في مختلف نواحي الفكر والفنّ والأدب، ذلك لأنّ ملحمة كربلاء بذاتها، تزخر بالمعاني السامية، والصور الجميلة والمدهشة والمحزنة، والشعارات الكبيرة المتعلقة بقضايا تهمّ البشرية كلّها، وتلتصق بالقيم الرفيعة والمصالح العامة.هنا محاولة للإضاءة على تاريخ الشعر الحسيني ودوره في خدمة قضيّة الإمام الحسين(ع) على مرّ العصور، مع الشاعر السيّد موسى أسد الله فحص، والشاعر الشيخ عباس فتوني.
المشهد العاشورائي لوحة إبداعيّة
يعدّ السيّد موسى فحص، أنّ ما جرى في عاشوراء، يمثّل قضيّة حيويّة بذاتها، مليئة بالأفكار والمشاهد التي تدهش العقل وترضيه وتحفّزه، وتلهب العاطفة وتثير الدّمعة، وأكثر من ذلك كلّه، أنها تتطلّب الموقف، فهذه قضية في رأيه، لا تحتمل الحياد في أي ميدان من ميادين الحياة، فإما أن نكون مع الحسين، وإما مع يزيد وزبانيته.
المشهد العاشورائي هو لوحة إبداعيّة تحتوي على عناصر الجذب والإثارة والإيحاء والإغناء والتحفيز
ويشير الشاعر فحص إلى أنّ الشعراء انطلقوا قديماً وحديثاً من عاشوراء، وأطلقوا العنان لخيالاتهم وإبداعاتهم في قصائد ومطوّلات تغترف من هذا النهر المقدَّس، وتخرج لنا تراثاً شعرياً مليئاً بالجواهر النفيسة، عادّاً أن “المشهد العاشورائي هو لوحة إبداعيّة تحتوي عناصر الجذب والإثارة والإيحاء والإغناء والتحفيز، والفكرة العظيمة تجذب الشّاعر، وتعطيه المجال الرحب للتحليل والخيال والتركيب والإبداع، إنه مشهد لا يقيد السجية، ولا يحدّ من الاندفاع، بل يغذّيهما بكلّ العناصر الضرورية التي تؤمّن إمكانية البدء، وتشجع على الاستمرار، وكلَّما اغترف منها الشاعر، ازدادت غنىً، وتجدّدت، وتجلّت، وأغرته بالمزيد”.
ما الّذي جذب الشعراء إلى كربلاء؟
يجيب السيّد فحص عن هذا السؤال، من خلال إثارة عدة نقاط، أبرزها انجذاب الشعراء إلى الفاجعة الّتي فجّرت عندهم براكين العاطفة، فكانت القصائد الوجدانيَّة الَّتي لا تستطيع أن تحبس الدّموع عندما تستمع إلى أبياتها، فضلاً عن النقاط التالية:
– منهم من اجتذبتهم العقيدة الّتي يعتنقها ثوّار كربلاء وقائدهم، فظهر إيمانهم بها، وتقديسهم لها في تلك المواقف الفدائيّة المدهشة التي استخفّوا بالموت من أجلها، فكانت عاشوراء عرس المبادئ السامية التي يستشهد من أجلها العظماء.
– منهم من اجتذبتهم المظلومية التي طبعت معسكر الحسين وقضيته، فهذا معسكر لم يتورط في ظلم، ويقابل معسكراً تمّ تأسيسه وجمعه على الظّلم والطغيان، وقد مارس في ذلك اليوم أعلى درجات الظلم.- منهم من اجتذبهم العنصر الديني في الموضوع الكربلائي، بحيث ظهرت سمات المؤمنين وصفات المنافقين، فراح ينظم القصائد التي تحكي عن النصوص الدينية التي تؤكد مسألة الإمامة، وتشير إلى مخالفة القوم للنصوص القرآنية والنبوية، واستغراقهم في الإجرام بحقّ أهل بيت النبي، وبهذه البشاعة.- منهم من اجتذبهم التحليل الاجتماعي والسياسي لتلك الظاهرة الغريبة من الاندفاع التي أظهرها الكوفيّون في الاستجابة للمخطّط الأموي، وأوامر يزيد وعبيدالله بن زياد، وانحياز العشائر العراقية بوجهائها ورجالها إلى معسكر الطغاة، ثم محاربتها للإمام الحسين وأصحابه، وقتلهم بهذه البشاعة وهذا الحقد، ثم سبي النساء والبنين، وسوقهم إلى الشّام أسارى!
– منهم من اعتنى بكلّ هذه العناصر مجتمعة، فظهرت في أبياته وصوره الشعريّة.
خصوصيَّة الشِّعر الحسينيّ
يعدّ الشاعر الشيخ عباس فتوني أنَّ الشِّعر عمومًا هو نظم كعقد اللُّؤلؤ المنضود، وأدب رفيع المستوى، وهو وسيلة من وسائل الإعلام، وإظهار الحقِّ، وإبطال الباطل. وبكلمةٍ موجزة، إن الشِّعر كسائر الكلام، بل كسائر الأعمال، لا يمكن الحكم عليه بالإطلاق، فهو يخضع لما يحتويه من المعاني والأغراض.
ويضيف: “لا يَخفى أنَّ النَّظم في الرَّسول الأكرم، وأهل بيته الكرام(ع)، ممَّا لقي تشجيعاً كبيراً من الرِّسالة الإسلاميَّة؛ لأنَّ تخليد هذه الشَّخصيَّات العظيمة هو، في واقع الحال، تخليد للقيم الَّتي بشَّروا بها، والخصال الحميدة الَّتي تحلَّوا بها، والرِّسالة السَّمحة الَّتي أتَوا بها، لإخراج النَّاس من ظلمات الظُّلم والجهل، والانطلاق بهم إلى نور المعرفة والعدل وشاطئ السَّلام. وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق(ع): “ما قال فينا قائلٌ بيتَ شِعر، حتَّى يؤيَّد بروح القدس”.
يعظم النَّظم في الإمام الحسين(ع)، بوصفه حامل مشعل الرِّسالة الإسلاميَّة، ومنقذها من التَّحريف والضَّياع ويتابع فتوني: “يعظم النَّظم في الإمام الحسين(ع)، بوصفه حامل مشعل الرِّسالة الإسلاميَّة، ومنقذها من التَّحريف والضَّياع؛ ولولا الدِّماء الزَّاكيات الَّتي أريقت على تراب كربلاء، لما عرفنا الحقَّ من الباطل، ولانْهارَت أركان الإسلام، وأَصبح النَّاس همَلًا، وأَصبح الدِّين على ألسنتهم لعقًا، يحيطونه ما درّت معايشهم! وقد ورد عن الإمام الصَّادق(ع): “ما من أحدٍ قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى به، إلَّا أوجب الله له الجنَّة، وغفر له”. وفي بعض الرِّوايات: “أو تباكى، فله الجنَّة”.
ويخلص الشيخ فتوني إلى القول، إنَّ الشِّعر الحسينيَّ يمتاز بخصائص كثيرة، أهمُّها: الإيمان بالمبادئ والقيم والعقيدة؛ فهذه الخصائص هي الَّتي جعلت الشِّعر الحسينيَّ ينشط في كلّ مناحي الحياة الأدبيَّة، ويشكِّل ظاهرة متميِّزة في الشِّعر العربيّ، قديمه وحديثه، ولم أجد قضيَّة تفاعلَ معها الشُّعراء العرب بتجرُّد خالص وإيمان صادق، مثل قضيَّة الإمام الحسين(ع) ومأساة كربلاء الَّتي استجاب الشُّعراء للكتابة فيها منذ وقوعها في عام 61 هـجريَّة حتَّى اليوم.
الشعر الحسيني بين الأمس واليوم
تنوَّعت الأغراض الشعرية في قصائد الشعراء بين الوصفية والوجدانية والسردية والرثاء والمديح والهجاء وغيرها، ولكنها اتفقت بمجملها على كونها تنتمي إلى الأدب الملتزم، فهي قصائد ذات قضية، وإن تفجرت بالبداهة والتلقائية والفطرة.
ويشير الشّاعر موسى فحص إلى أنَّ الكثير من الشّعراء المعاصرين، التزموا في قصائدهم الكربلائيَّة بالنّسق القديم لناحية الحقل المعجمي الغالب في القصيدة، فالمفردات المستخدمة تنتمي إلى عصور ماضية، حتى الصور الشعرية تأتي نسخةً عن تلك السالفة، إلا ما ندر، لافتاً إلى أنّ هناك اتجاهاً حديثاً يكتب بلغة عصريّة وصور جديدة عصرية، استطاعت أن تعبر بصدقية وجمالية رائعة عن تلك الملحمة الثورية.هناك حاجة إلى الجرأة والفدائية لإبراز المشهد العاشورائي على حقيقته المعنويّة
ويوضح فحص هذا الجانب بالقول: “هناك حاجة إلى الجرأة والفدائية لإبراز المشهد العاشورائي على حقيقته المعنوية التي يظهر فيها الحسين، وأهل بيته، وأصحابه، والإمام السجاد، والسيدة زينب، في قمة المعنوية والعنفوان والرضا، بعيداً عن الانكسار والمظاهر التي لم يظهر بها أهل البيت يوماً من الأيام، وبخاصة في عاشوراء. فكيف يسمح شاعر لنفسه أن يكتب ما يصوّر به مشهداً افتراضياً، يدّعي فيه أن سيدتنا الزهراء حضرت في يوم عاشوراء وبكت وناحت وندبت وتحدثت عن الفاجعة بكلمات منكسرة، نحن نلوم عليها الأمّهات إذا تصرفن بها عند موت أولادهن، وغير ذلك من المشاهد المخترعة، بقصد إثارة العواطف واستجرار الدّموع، وهي في الحقيقة تثير الاشمئزاز من هذا الأسلوب الرّخيص والمهين لأطهر البيوت وأشرف الشخصيّات الإنسانيّة؟!”.
ويشير الشّاعر فحص إلى مقتطفات من شعر سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض).
يا ظلال الإسلام في كربلاءِ كوِّني الحرف في ابتهال الدّماءِ
وأثيري التّاريخَ فينا افتحي الـ ـرّوحَ على كلّ عزّةٍ وإباءِ
يشهق المجد عندها في انطلاقٍ يلتقي بالجدود والآباء
ويضمّ الإيمان في روحه الـ ـحيرى امتداداً لثورة الشّهداء
ليس تاريخها حديث الأساطيـ ـر الكسالى على شفاه السّكارى
ونواحاً تثيره لوعة المأ ساة في شهقة الدّموع الحيارى
وبقايا ملاحم تبدع النَّصرَ على مفرق الشّهادة غارا
بل هو الحقّ تلتقي الأريحيـ ـيـاتُ لديه شهادةً وانتصارا
إنّ لنهضة الإمام الحسين(ع) الأثر الكبير في إنعاش الأدب عامَّة، والشِّعر خاصَّة
الثورة الحسينية وإنعاش الأدب
ومن نافلة القول، أنَّ لنهضة الإمام الحسين(ع) الأثر الكبير في إنعاش الأدب عامَّة، والشِّعر خاصَّة؛ ولهذا لم ينظم في شخصيَّة سامية، مثلما نظم في الإمام الحسين(ع)، لأنَّ القضيَّة الحسينيَّة دخلت في ضمير الإنسان ووجدانه، بغضِّ البصر عن جنسيَّته ومعتقداته.
شعراء المنبر الحسيني
يشير فحص إلى كتاب المرحوم الباحث والأستاذ الجامعي اللبناني، الدكتور حسن محمد نور الدين، الذي ترك في تراثه الأدبي والبحثي كتاباً عن الشعر الكربلائي، بعنوان: “المنتخب من الشعر الكربلائي”، حشد فيه ما توصَّل إليه من أسماء الشعراء الذين كتبوا في النهضة الحسينية، فجمع عدداً كبيراً من الشعراء السابقين والمعاصرين، وأورد لكلٍ منهم قصيدة أو مقاطع من قصيدة، ففي المدة ما بين 61 هجرية و461 هجرية، أورد المؤلف عشرين شاعراً، وفي المدة ما بين 462 هجرية و1398 هجرية، أورد خمسين شاعراً، ومدة ما بين 1398 و1426، أورد اثنين وثلاثين شاعراً، والقصائد التي انتقاها لهؤلاء الشعراء، تختلف وتتميز عن بعضها البعض في متانة اللغة، وجمال الصورة، والالتصاق بالقضية موضوع البحث.
ويلفت السيد فحص إلى قصائده التي نظمها في الثورة الحسينية، وهي موزّعة على ثلاثة كتب صادرة حتى الآن، منها واحدة ألقاها في عام 1982، في ندوة شعرية في الجامعة الأميركية في بيروت، قبيل الاحتلال الصهيوني للبنان.
وفيما يلي، مقتطفات من المقطع الأخير من قصيدة (صرخة من كربلاء.. يا إنسان)، المنشورة في ديوان (دينا وأخواتها)، من المجموعة الكاملة، وقد كتبتها فحص في شهر محرم من العام 1415هـ:
قد تقتلني
قد تفجعني بأعزائي
صحبي.. إخواني.. أبنائي
قد تسبي أهلي ونسائي
لكنك أوهى من أن تأخذ صوتي
هيهات الذلّة مني .. لن أرجوَكم
سأقاومكم.. سأقاومكم.. سأقاومكم
لن أعطيَكم
إعطاءَ ذليل
إقرارَ عبيد
سأقاومكم.. سأقاومكم.. سأقاومكم
حتّى لا يبقى حوليَ سيفٌ ينصرني
حتّى تنفجرَ دمائي في الأجيالِ وتحكيَني
حتّى يسمعَ أنصاري صوتيَ في الآتي
هل من ناصر
فيجيبوني
وتضيء لهم دربَ الحرية كلماتي
وعلى أصقاع الدنيا تخفق راياتي
ويَعُمَّ سلامي
في كلِّ مكانٍ بشعتْ فيه مظالمكم
ومجازركم
سأسطرُ اسماً لشهيدٍ
حتى تمتلئ الدنيا بالأسماء وتبكي
وتقومَ الأرضُ على أصداء نداءاتي
تلعنكم كلَ صباحٍ
وتمجدُ اسمَ الله وتحضن شهدائي
منتصرٌ عدلي
منتصرٌ طفلي
منتصرٌ عطشي
الآن اذبحني
اقطع رأسيَ بالسيف وقطِّعني
خذ رأسيَ فوق الرمح أو اصلبني
لأبلِّغَ كلَّ رسالاتي
وأقولَ لأجيال الحرية آخرَ كلماتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى