قصتان قصيرتان جدا
هاني بكري..
1-المدينة التي ضحكت
بصعوبة وصل إلى المقعد الفارغ في الباص الممتلئ، اقتنصه قبل أن يصل إليه الرجل الواقف في المنتصف، لاحظ تقطيبة جبينه، نظر حوله، لم يكن وحده العابس، الوجوه كلها كئيبة، الشمس الصفراء الباهتة في الخارج لم تكن تسر الناظرين، كانت مخنوقة بالعادم والريح الخماسينية، ما جعله يشيح النظر عن النافذة.
ضحك فجأة، تأفف جاره في المقعد. حين استمر بالضحك؛ ضحك الجالس بجانبه مستنكرا في البداية؛ ثم تابعه ضاحكا. التفاتة من الجالسين أمامه وخلفه جعلتهم يضحكون. ضجت الحافلة بالضحك. السائق المتمايل ضحكا خلف مقود القيادة، لفت انتباه سائقي المركبات الآخرى التي لاحقته مستفسرة عما يضحك؛ ضحكت هي الآخرى. ضحك عسكري المرور. ضحك المارة العابرون. قهقه أصحاب المحال الواقفون أمام دكاكينهم الخالية. أطلت الرؤوس من الشرفات والنوافذ مستسلمة لنوبة الضحك الجماعية. ضحكت المدينة بأكملها؛ ظلت تضحك وتضحك وتضحك.
حين نزل من الباص؛ مسح دموعه ومضى. غاب كشبح في الدخان والتراب الذي يبتلع المدينة.
2- نسيان
عصرية خريفية؛ شمس متكسرة تقاوم المغيب.
يدخل من بهو المقهى العتيق.
يجلس أمامها متأملا ملامح الزمن.
تتواجه العينان قليلا قبل أن تميل برأسها وتكمل القراءة.



