“من التمثيل إلى الاصطناع” تفيكك كتابات الذات من منظور سيميائي

عبداللطيف الوراري..
في كتابه الجديد «السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع» (منشورات المركز الثقافي للكتاب 2021) يقدم الناقد المغربي محمد الداهي تلقيا جديدا ومغايرا لأشكال الكتابات الذاتية من منظور السيميائيات الذاتية، وهو استمرار دؤوب وطموح لما راكمه من أبحاث ودراسات حول السيرة الذاتية؛ من قبيل: «شعرية السيرة الذهنية: محاولة تأصيل» (2000) و»الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات» (2007).
في هذا الكتاب، يبحث في جملة من الأسس الفلسفية والثقافية التي تقوم عليها الكتابة عن الذات في كُل أشكالها، سواء ما يتعلق منها بالسرد الشخصي الذي تتأرجح فضاءاته الممكنة بين ملفوظات الواقع وملفوظات التخييل، أو ما يُصنف ضمن السرد الغيري (الصريح والضمني) أو ما يدخل في التخييل الذاتي بما هو كتابة أخرى لتاريخ «آخر» لا تكتفي بما وقع، بل بما كان من الممكن أن يقع أو لن يقع أبدا، على حد تعبير الكاتب والمترجم سعيد بنكَراد في تقديمه للكتاب: «فالذات لا تتحدث فقط عن فعلها، إنها تتحدث أيضا عما كانت تود فعله أو فشلت في فعله».
ينفي الناقد ـ ابتداء- وهم المطابقة أو علاقة التطابق/ التشابه بين الكتابة والواقع كما كرستها الدراسات السيرذاتية في السابق، وعلى أساسها جرى التمييز بين السيرة الذاتية والرواية؛ إذ وجد أن ثمة وسائط وعلائق ووشائج تسعف على التداخل بين العالمين الواقعي والتخييلي، بناء على ما يشهده الفكر الأدبي، والإنساني بعامة، من طفرات نوعية نقلت المجتمع البشري من الواقع (التمثيل) إلى الخيال (الاصطناع). ولهذا عاد إلى نظرية أرسطو في «فن الشعر» لنقد مبدأ المحاكاة الذي قامت عليه، وإلى استثمار التخييل الشعري الذي ارتبط عنده برواية ما يمكن أن يقع حسب الاحتمال، أو الضرورة، لاسيما وأن إرث هذه النظرية قد استمر حتى القرن العشرين، مع الشكلانيين الروس، ثم رواد الشعرية (تزفيتان تودوروف، رولان بارث، جيرار جنيت، جون إيف تاديي..) الذين اهتموا بالوظيفة الجمالية للنصوص أيا كان تمثيلها، وأقاموا تمييزا بين الواقعي والتخييلي، وبين اللغتين المتداولة والشعرية، مقابل آخرين دافعوا عن التجاذب الجدلي بين التخييل والواقع (جون ماري شايفر، كريستين مونتالبيتي). فمن الصعب في وقتنا الراهن التمييز بين الواقعي والتخييلي، وهذا ما جعل الناقد يحيل على ما كتبه السوسيولوجي الفرنسي جون بودريار قبل أربعين سنة، حيث نحت مفاهيم جديدة لوصف هذا الواقع، ومن أبرزها مفهوم التصنع بخلاف التمثيل الذي يقوم على مبدأ تكافؤ الدليل والواقع؛ فهو «ينطلق من النفي الجذري للدليل بصفته قيمة، ومن الدليل باعتباره ردة وطمسا لأي مرجع» إذ صارت اللغة قادرة على تحويل الواقع وإزاحته، بل خلق نموذج مصطنع بدلا عنه.



