التكثيف وعنصر المفاجأة في “بئر برهوت”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد أن الكاتب جابر محمد جابر في مجموعته القصصية “بئر برهوت” عمل على تغيير العملية التكثيفية التقليدية وخروجها من قالبها المتبع، الى فضاءات أخرى دون الإخلال بعناصر القصة القصيرة جداً ،من حيث البناء أو العناصر المستخدمة فيها.
وقال جويعد في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): تثير مجموعة القصص القصيرة جداً (بئر برهوت) للقاص جابر محمد جابر، من اصدارات منشورات دار بعل للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق لعام 2021 أمورا تتعلق في عملية صناعة القصة القصيرة جداً، وبنائها، والعناصر الأساسية التي تدخل ضمن صناعتها، وأهمها العملية التكثيفية وطابع الغرائبية والعجائبية التي تدخل في عملية بنائها، والعناصر والادوات الأخرى المكملة للنسق الفني المتبع لها، وكذلك عنصر المفاجئة أو الضربة المفاجئة في نهاية كل نص قصصي قصير جداً، وهي حالة أضحت من البديهات في هذا الجنس حتى وصلت أنها من الأمور التقليدية والقوالب المكررة فيها، الأمر الذي حدا ببعض كتاب القصة القصيرة جداً، البحث عن أبواب ومداخل اخرى، وزوايا نظر للدخول الى تلك العناصر وايجاد سبل جديدة في تغير وحدات تلك العناصر واخص بالذكر عملية التكثيف المتبعة وجعل هذا التكثيف لا يقع في عملية التقليد أو التكرار في كل نص قصصي، لأن يمكن أن تكون عملية التكثيف حاضرة في اللغة الشعرية أو الحس الشعري، او تداعيات شخوص تلك النصوص، وربما يكون مدخل هذا التكثيف ناتج من بناء الشخصية ذاتها، او نوع وطبيعة الحدث المستخدم.
وأضاف: وهكذا فأن القاص جابر محمد جابر، عمل على تغيير العملية التكثيفية التقليدية وخروجها من قالبها المتبع، الى فضاءات اخرى دون الاخلال بعناصر القصة القصيرة جداً ،من حيث البناء أو العناصر المستخدمة فيها، واستطاع أن يجعل عناصر التكثيف متغيرة ومتنوعة ومتلونة، وكذلك عمل ايضاً على جعل عنصر المفاجأة الذي يكون خاتمة لكل قصة قصيرة جداً متغير، ومتنوع، وسنورد بعض الامثلة باختيار بعض النماذج القصصية التي تقدم لنا وجوه جديدة من تلك العناصر.
وتابع: سنكتشف في القصة القصيرة جداً (خضير أبو الثلج) أن عنصر التكثيف وظف من خلال عملية بناء الشخصية، وكذلك عنصر المفاجأة:
(كان الفتى خضير طالب الفلسفة، يبيع الثلج على رصيف شارعنا في محلة الصابونجية، بمدينة العمارة، معظم أهل المدينة، يعرفونه، ويلقبونه خضير وجودية، ليس لأنه كان يجاهر بوجوديته، ويروج لكتب اشتهرت وقتها لكتاب مثل جان بول سارتر، والبير كامو، والبرتو مورافيا وكولن ولسن، الغريب أن خضيراً يبيع الثلج بمزاجه وعلى وفق نزواته الطارئة، علق يافطة خشبية خطها بلون احمر كتب عليها
(متوفر صيفاً فقط… ثلج بارد جداً) وكتب تحتها عبارة:
أبيع بكيفي… لا نتعامل بالدين) (ص15 )
بينما نجد في القصة القصيرة جداً(رائحة القهوة) أن تلك العناصر واقصد عنصر التكثيف والضربة المفاجأة وحتى بقية العناصر قد وظفت من خلال اللغة السردية الشعرية الحسية النابعة من متن النص:
(الليل صديق الفقراء، أنا أعرفه، وأرتبط معه بعلاقة إنسانية، في غاية الروعة، هو من زمان يحترمني، وأنا أجله ولا أهابه، هو صديقي وصديق كل مستوحش، وكل من لا صديق لديه، نشكو له ظلم وجور الظالمين، من الحكام وبعض السفهاء والطارئين، الليل نديمي وفنجان قهوتي، نلتقي يومياً، وأفارقه قبل ان يتغير لونه بقليل، وعندما تجف رائحة القهوة،)(ص 53)
وأوضح :ونجد في القصة القصيرة جداً عملية التكثيف التقليدية والتي تشترك فيها جميع العناصر بشكل متساو، مع توظيف الغرائبية والعجائبية فيها، وتلك الضربة المفاجأة التي ترافق النص القصصي:
(في صبيحة يوم عاهر، كان رصيدي من الكآبة، منخفض بشكل ملحوظ…
استفزتني ذبابة، مالحة بعض الشيء تداركتها، حتى توغلت في شرشف روحي، سحبت يدي الثالثة من المعركة، لأنني وجدتها، تمسك خيط الفجر، وغير مؤهلة لآهات الحروب….)(ص57)
وبين:في القصة القصيرة جداً، (الذنوب الباهرة) نجد تلك العناصر والادوات التي استخدمت ولا زالت تستخدم كسياق فني يميزها عن غيرها، حاضرة في عملية البناء واقصد في ذلك غرائبية العنوان، وتوظيف نمط الواقعية الغرائبية والعجائبية ضمن متن النص، وتلك اللغة السردية التي تنسجم وتتلاءم والسياق الفني لها:
(البلبلُ ينبحُ في البراري، رجلٌ عجوز… يصفقُ له بأقدامهِ، وامرأته الحكيمة تصرخ…. أن السماء خرجت عن دائرة الكون، ومجنون من يتوهم العكس، لا رداء للنسيان، ولا فنجان للألم، الكل شهود على الزمن الرديء… نحن ملزمون بدفع فاتورة الذنوب الباهرة.)(ص69)
وختم :ضمت هذه المجموعة القصصية القصيرة جداً، العديد من النماذج التي تقدم القصة القصيرة جداً، بأنواع وأشكال وطرق وأساليب متنوعة ومختلفة، استطاع من خلالها القاص جابر محمد جابر، الخروج من النمط الرتيب لهذا الجنس والانتقال الى حيث التغيير والتجديد.



