اخر الأخبارثقافية

“جمل المحامل” أسطورة سليمان منصور الخالدة

أثناء إقامة “معرض الفن الفلسطيني” في غاليري بيسان بالدوحة عام 2001، دُعينا إلى فطور ريفي فلسطيني في بيت الفنان إبراهيم أبو الربّ، الذي كان وقتذاك يعلّم في جامعة قطر، والضيوف الذين تقاسموا الحوش والمائدة كانوا فنانين من الوطن العربي ونقّاداً وصحافيين. سليمان منصور الذي وُوري الثرى الأربعاء الماضي، في مثواه الأول والأخير في بلدته بيرزيت، كان بين هذا الجمع ضمن مشاركة فلسطينية كُبرى في أول غاليري خاص في تأريخ قطر حمل اسم “بيسان”. وبصوته ذي الطبقة المنخفضة واضحة المخارج، قال عن لوحته “جمل المحامل” الأشهر دائماً في مسيرته، بأن ثمة خللاً فيها. في الحبل الذي يشده العتّال ويحمل به القدس على ظهره. كان يتحدث بجاهزية من قال الجملة نفسها عشرات المرات، مستعداً لترديدها كلما جاءت سيرة اللوحة.

ولا أتذكّر مبتدأ الحديث، بيد أن السيرورة تشير إلى أن الرجل يردّ على سؤال أو تعليق، ومن المؤكد أن الكلام من الطرف الآخر ليس تقليلاً من قيمة العمل. إن هذا النوع من الأعمال لا ينظر إليه إلا بتوقير، لسبب وحيد أنه ولد وولدت أسطورته معه. ولعلها فرصة الفنان السانحة ليجعل الأسطورة السماوية كاليونانيّين تنزل على المسرح وتكشف عيبها أي وجهها الآدمي. فهو يبدو دائماً منتظراً لأي نأمة ومنبّهاً الغافي والنائم، ليقول له: هناك خلل في لوحتي، ثم يتطوع فيشرحه؛ الحبْل غير منطبع على البدن ليبدو بالطريقة التي تُحملها ظهور العتّالين.

نحن نتحدث عن ثلاث نُسخ من “جمل المحامل”. الأولى التي رسمت عام 1973، وسمع بها الناس وحفظوا الصورة حين طُبعت عام 1975. النسخة الأولى يظهر فيها الحبل المبروم الذي تخلّى عنه منصور لاحقاً وهي النسخة التي طارت وابتعدت. لماذا تخلى؟ لأنه الحبل المبروم غير مفضّل في العتالة، فهو لا تحكمه قبضة الكفّ بسهولة ولا يوزّع الثقل على الكتف، بل يجرحُها، وهذا ما تعرفه شوارع المدن الفلسطينية بالفطرة الشعبية قبل أن يقوله النقد الفني. انتبه أو نبّهه أحد فوافق فوراً وأمّن على الكلام الصحيح وصار يسابق الناس في القول إن المبروم خيار غير سليم. الشاهد هنا ما تبقى من عتالين أو ذرّيتهم وصور فوتوغرافية لعتّالي القدس صوّرها خليل رعد (1854-1957) ويظهر فيها من يحمل على ظهره صفائح التنك، وآخر كوميدونو، وثالث بيانو، وجميع الحبال شرائط كتانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى