«حياة.. حينانا» رواية عن رفض التحول إلى أسطورة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد أحمد غانم عبد الجليل ان رواية «حياة.. حينانا» للروائي حسين السكاف تجسد حالة رفض التحول الى أسطورة من قبل بطلة الرواية التي تصر على إنها ليست تجسيدا لشخصية عشتار الراسخة في الميثولوجيا العراقية.
وقال عبد الجليل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):«أنا حياة، ولست إنانا» …تصر بطلة رواية «حياة.. حينانا» (دار فضاءات، عمان 2021) للأديب العراقي حسين السكاف، على إنها ليست تجسيدا لشخصية عشتار الراسخة في الميثولوجيا العراقية، معلنةً تمردها مرة تلو الأخرى على ما يرسمه الآخرون لها كإطار عليها الخضوع لمساحته الضيقة ضمن التقاليد والأعراف والضغوط الاجتماعية، تمرد أعلن عن نفسه بوضوح، منذ أن كانت صبية وقد تفتح وعيها لتبدأ رحلتها الطويلة والشاقة في البحث عن سر السعادة لفتاة شبّت مع بدء الحرب الطويلة التي اشعلها مع الدولة الجارة (إيران) وما فرضته من تغيرات حافلة، ألقت تداعياتها على تفاصيل حياتية نتلمسها داخل أحداث الرواية منذ البداية.
واضاف :ضمن إيقاع منتظم تمضي بنا صفحات الرواية بشخوصها ومشاهدها المكثفة نحو عالم أكثر تعقيدًا تطأه «حياة – إنانا»… الحروب والنشوة، الأسواق المركزية، التجارة في السوق السوداء، هوس السيد اللواء، وصولاً إلى الانعزال المتراكم عن جو العائلة والبراءة التي كانت. نفور متعاظم يفرز المزيد من الضياع، الذي سرعان ما يلتقطه رجال السلطة الأمنية، خلال عقد الثمانينيات خاصة، من أجل استثماره لحماية النظام الديكتاتوري، عبر تقديم المغريات المادية والسلطوية المُلغية للعقل والمنطق، إذ تجد «حياة» نفسها تتصرف كالإنسان الآلي المبرمج، بعيدا عن المشاعر التي توجب الالتزام الأخلاقي من أجل خدمة السلطة، من ناحية أخرى تبقى «حياة» فياضة الحنان تجاه من يمر بحياتها، ولو دون سابق معرفة، ضمن ازدواجية مركبة تأخذنا في حبكة سردية متداخلة تغور في كواليس بلادٍ صارت مثل جبال الجليد، يحرص الكاتب على عدم ذكر اسمها أو اسم أي من مدنها، لتأخذ الأسطورة بعدا أكثر، لا تحتجزها حدود وطن بعينه.
وتابع : يتجنب الكاتب ذكر الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تثقل السرد المندفع نحو الأمام، وفق بناء سردي يستمر في تشعبه بانتظام مدروس، مع دقة الانتباه لنقل المشاعر والتفاصيل بما لها من مؤثرات يتحسسها القارئ، ولو عبر إشارات تحدد أجواء الأماكن على تنوعها داخل وخارج الوطن، حيث تجد بطلة الرواية نفسها تحلق بعيدا إلى أرضٍ غريبة وبعيدة، هناك تخبر نوعا جديدا من الحياة والعلاقات، والاستلاب أيضا، بينما يدخل وطنها نفقا من الاغتراب، ورغم أنها تدخِر خطة متكاملة لحياتها الجديدة رسمتها لها جهة أمنية مخفية عن العيون، تتعلم خلالها لغة العصافير الحرة، لا المدجنة على كتابة التقارير، وفضح الخبايا، وتلفيق التهم إن لزم الأمر.
وبين :هي ذاتها صارت، دون دراية منها، مرآةً تعكس الجنون السلطوي الذي ظلت تعمل لأجله ، وهي ترسم لنا صورة الأم «والدتها» كرمز للتسلط الذي خلفته وراء ظهرها، رغم أنها تجاوزت مرحلة المراهقة ونزقها، وصارت شخصية مستقلة مسؤولة عن نفسها ولها الحرية أن تفعل ما تشاء، ففي بلاد المهجر تنقطع صلتها بعائلتها تماما سوى اتصال هاتفي كل فترة، هدفه الأساس تمشية بعض الأمور، حتى الأب الذي كان يمثل لها الحب والحنو، الذي يجذب الفتاة نحو أبيها، كأفضل رجلٍ في العالم ولا توجد امرأة تستحقه أو تستحق حبه، صار بمثابة رمز للطبقة الوسطى المثقفة، إذ يعمل أستاذا جامعيا، صار أيضاً بمثابة الصوت الذي يظهر الحقيقة للقارئ، ، فيعطينا صورة عن انقلاب الموازين المجتمعية والمفاهيم التي جعلت من ابنته الكبرى سيدة أعمال وسلطة، ومن ثم تسافر للاقتران بشخصٍ لم يره حتى، وتلك إشارة دلالية تستبق سنوات الحصار، فالمجتمع العراقي بدأ حصاره، غير المعلن، قبل ذلك بسنوات، حصار داخلي عمل على تغييب، أو على الأقل تهميش، تلك الطبقة، التي أطلق عليها مصطلح «رمانة الميزان» بكل ما تتضمنه من ثقافة ورؤى ومطامح يمكن أن تكون مصدر قلق لأي نظام ديكتاتوري تجسدت صورته الشوهاء عبر كل الشخصيات دون استثناء.
وأوضح : في السويد ترتحل بالأسطورة التي تتلبسها، دون قصد منها، إلى منحى جديد يمثل طورا مختلفا عن الأطوار التي عبرتها لتصل إلى وهج الالتقاء بين التناقضات التي تتحكم في شخصيتها وتدفعها جهة بلوغ الحكاية أوجها، تتجلى إشكالياتها من خلال علاقتها بالروائي والصحافي «المنفي» المستهدف من قبَل الجهاز الأمني الذي أوفدها إلى الخارج كي تندس بين شخصيات وأحزاب المعارضة الفاعلة ضد النظام، ما يعطينا صورة عامة عن الملابسات التي تكتنف الصورة السياسية الآخذة في التعقيد حينًا بعد حين، التي يجسدها الكاتب حسين السكاف من خلال انفعالات الشخصية المحورية، سيدة العشق والغواية، دفق الحياة واستمراريتها، وغموضها وغدرها في الوقت ذاته.
وأكمل :في المشهد الدرامي الأخير للرواية، تحتفل «حياة» أو «حينانا» كما صار يسميها زوجها الكاتب والصحافي، احتفالاً افتراضياً، حيث جمعت أهم الناس الذين مرّوا بحياتها على شكل صور شخصية ألصقتها على الكراسي، فأنشدت كلماتها بزهو واضح: «أحتفل اليوم بصحبة أهلي وأصدقائي، أصدقاء الذكريات والحياة الضبابية غير الواضحة».
وختم : ولأن ثنائية الحياة والموت حاضرة بقوة في الميثولوجيا العراقية فقد وجدت «حياة» خطر الموت يكمن في نشوة الحياة المفترشة صدرها، صار يهددها بالموت الخبيث، «حينانا» الفتاة المتشوقة لحكاية غرام لا تتخفى خلف الأبواب المغلقة، تفتح أبواب عالم حريتها لتنطلق نحو عالم آخر، لا أحد يعرفه، ليخلّف اختفاؤها لغز الوجود وسحر الحكاية في نهايةٍ مفتوحة تهب النص أكثر من تأويل يتداخل فيه التحليق الأسطوري مع تجليات الواقع.



