ثقافية

قصتان قصيرتان جداً

o[po[op

ناطق خلوصي

1 ــ غياب
اعتاد كل يوم جمعة ، على أن يتوقف ، بعد أن ينهي جولته عند الظهر ، أمام عربة بائع الحلوى ليشتري ما أوصاه أولاده عليه. كان صاحب العربة رجلا تجاوز الستين ، صارت تربطه به إلفة من نوع خاص بعد أن أصبح زبونا دائما لديه ، وكان يرثى لحاله : كيف يستطيع أن يدفع هذه العربة الثقيلة في مجيئه ورواحه عائدا إلى البيت وهو في هذا العمر ؟
غاب ثلاثة أسابيع عن المكان وحين جاء وقف واجما . لم يجد الرجل صاحب العربة . فسأل الصبي الواقف إلى جوارها :
ــ أين صاحب العربة ؟
قال الصبي وهو يضع يده على صدره :
ــ أنا صاحب العربة يا عم.
ساوره شيء من الشك . اذا كان ذلك الرجل يصعب عليه أن يدفع هذه العربة فكيف يمكن لهذا الصبي أن يفعل ذلك ؟ . تأمل وجه الصبي جيدا وعاد يقول :
ــ أعني الرجل الذي اعتدت أن أشتري منه .
ــ أنا إبنه .
ــ أين هو ؟
أطرق الصبي لحظة وما لبث أن رفع اصبعا نحوالسماء واجهش ، فجأة ، بالبكاء !
2 ـ إنتظرْ
ظلت كلمة ” إنتظرْ” تصفع سمعه طوال حياته ، حتى بدا كأنها حفرت اخدودا في رأسه . انها تتردد هنا وهناك ، وتلاحقه في البيت ..في الدائرة في عيادة الطبيب ..في الشارع وفي كل مكان . يقول لرئيسه في العمل انه لم يتلق زيادة في مرتبه منذ زمن فيقول له ” إنتظرْ . الميزانية لا تتحمل زيادة رواتب صغار الموظقين ” . يتقدم بطلبات تعيين أولاده الخريجين العاطلين ، فيأتيه الجواب : ” إنتظرْ .. ليست هناك درجات لتعيين أمثال أولادك ” . يقف أمام السكرتير في عيادة طبيب . يعرف انه دوره لكن هذا يقول : ” إنتظرْ .. لم يحن دورك بعد ” يطرق الأبواب زائراً فتأتيه ” إنتظرْ ” واهنة ويكون عليه أن ينتظر طويلا إلى أن يفتح الباب وقد لا يفتح أبدا .. وحتى في البيت ،. يومىء إلى زوجته فتدرك ما يعني . تشيح ببصرها عنه ويأتيه صوتها وهي تبتعد : ” إنتظرْ . اما تراني مشغولة ؟ ” .
إنتظرْ ..إنتظرْ .. إنتظرْ . . سلسلة من هذه الـ ” إنتظرْ” تواصلت طوال حياته . لكنه لم يمل الانتظار وها هو طريح فراش المرض ، يفكر بزوجته المريضة هي الأخرى ، وبأولاده العاطلين عن العمل وبالديون التي لم يستطع سدادها .
على حين غرة ، اقتحم الزائر الأخير، الذي لا مناص من زيارته ، المكان عليه ووقف جوار فراشه . نظر مرعوبا وحشرجت الكلمات بين شفتيه : ” طوال عمري وأنا أسمع ( إنتظرْ ) ولم اقلها أنا إلى أحد . أتوسل اليك أن تدعني أقولها لك أنت الآن . إنتظرْ أرجوك ! “
لكن الزائر الأخيرلم ينتظر. شد قبضته على معصمه وسحبه اليه . انصاع صاغرا وسار وراءه ، مخلفاً زوجته المريضة وأولاده العاطلين عن العمل وديونه التي لم يسددها بعد !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى