«أوراق» العروي وفضاءات المعرفة والفن

رشيد سكري..
في السيرة الذهنية «أوراق» عمد عبد الله العروي إلى الوصف الفني بين التاريخ والذات الفاعلة في الشأن الثقافي والفني، وفي هذا تم الانتقال عبر بوابة الترميز المشفر لأهم الأحداث التاريخية، التي عرفها المغرب إبان الاستعمار الفرنسي، الذي بسط اليد على أهم مخارج ومداخل الثروة التي يملكها الشعب المغربي. إن اختيار إدريس كبطل لهذه السيرة الذهنية، عند عبد الله العروي، جاء كردة فعل لجيل بأكمله، طامح نحو التغيير. فعبر العمل السياسي، المرتبط بالعمل الثقافي، انبثق حسب العروي التطور الفكري والتحول الأخلاقي، وكذا النضج السلوكي، الذي جعل من التربية وعلومها الوعاء الذي يؤم كل هذه العناصر المندرجة في بنية تتوخى تحسين ظروف العيش، وانعتاق المغاربة من كماشة الاستعمار، الذي أجهز على كل أحلام الشعب المغربي التواق نحو الحرية والعدل والكرامة.
يقول العروي «بعد عشر سنوات من التردد قررت فرنسا اللجوء إلى سياسة العنف، وإلى دفن المشكل المغربي.. هكذا تعكرت العلاقة الفرنسية المغربية.. وقد تمكنت فرنسا من أن تنتصر ولو مؤقتا باستعمال المدفع الرشاش والدبابات».
في المقابل يجيء طمس معالم المكان من أهم المخططات، التي اعتمدتها السلطات الفرنسية، بما لها علاقة بتسريع ذوبان الشخصية المغربية في الآخر المحتل، على مستوى اللغة والعادات والتقاليد، وبالتالي التخلي التدريجي عن معالم الأصول، والهوية العربية الإسلامية، وكل الأطياف الأخرى المكونة للشعب المغربي، بما في ذلك الانتماء الأمازيغي. يقول العروي على لسان الراوي: «تراني جالسا جنبك في مقهى المحطة، كنا نخرج من داخلية مولاي يوسف كل ظهر يوم خميس، وكل يوم أحد، نمر أمام محطة القطار نقطع الشارع، نحاذي جنينة فندق باليما، ونقصد إحدى قاعات السينما». فالتركيز على المعالم المؤسسة للعمران المغربي في رواية «أوراق» كان بمثابة إحياء الهوية الحضارية التي يتمتع بها الشعب المغربي. لذا جاءت «أوراق» لتحتفي بمعالم المكان إبان الاحتلال الفرنسي للمغرب، وهي محاولة جادة لترسيخه ـ أي المكان ـ في وجدان الناشئة، وارتباطه عضويا بفضاءات الدراسة والتحصيل العلمي، التي كان يتردد عليها البطل إدريس. يقول العروي «جئنا إلى ثانوية الرباط، وإدريس وأنا وتلميذ ثالث، وجدنا محيطا آخر… انتقلنا من مغرب الجنوب على باب الصحراء وافريقيا إلى المغرب».



