اراء

حكاية همدان.. نسخة إلى الإطار

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..


حين يتسلّط الفاسدون ويغدو النفاق ديدن الأغلبية، يضيع الأخضر بسعر اليابس، ويتساوى الصالح بالطالح، وإذا كان الخير يخص ثلة من الأولين وقليلاً من الآخرين، فإن الشّر إذا حلَّ عمّ الجميع وما قصة ناقة صالح في قوم ثمود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم إلا شاهد حي على ذلك في قوله تعالى (فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا).
إن الله عز وجل نعتهم بصيغة الجمع، رغم أن الذي باشر الفعل هو رجل واحد أشقى القوم قدار بن سالف، وهي دلالة قطعية على أن العذاب لا ينزل إلا على من تفرقوا أو حادوا عن الحق أو سكتوا عن الباطل ورضوا به، ولنا في الموروث التأريخي لمدينة لهمدان في إيران دلالة على ذلك، ففي حوار يُروى بين تيمورلنك ووجهاء المدينة حين حاصرها وخرج إليه كبار القوم وعلماؤها لطلب الأمان وتجنب المجزرة. وكان تيمورلنك آنذاك في ذروة غطرسته فسألهم سؤالاً استنكارياً ليزيد من رعبهم قائلا: أنا عذاب الله في أرضه، فهل تدرون لماذا سلطني الله عليكم؟ انتظر الطاغية تذللاً أو صمتاً يطبق على الأفواه لكن حكيماً من بينهم قيل إنه قاضي المدينة أجابه بهدوء وثبات ينم عن بصيرة: أيها الأمير إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، لو كنا صالحين متآزرين ولم نختلف فيما بيننا ولو لم نبتعد عن منهج الحق لما ابتلانا الله بك ولما مكنك منا فأنت لست إلا سوطاً بيد القدر يؤدب بنا من استحق التأديب.. تقول الرواية إن تيمورلنك ذُهل من شجاعة الرجل ودقة منطقه، فبدلا من أن يبطش به أعجبه صدقهم ونبذهم للنفاق وإرجاعهم الأمر لسنن الله في خلقه. ويُقال، إن هذا الاعتراف الصريح كان سببا في تخفيف وطأته عن المدينة، إذ رأى في أهلها حكمة تستحق الإبقاء عليها لا إبادتها. هذه الحكاية هي المصداق العملي للقول المأثور (كيفما تكونوا يُولى عليكم). فأهل همدان في هذه الرواية نبذوا المداهنة والنفاق واستخدموا سلاح الحقيقة، فبدلا من استجداء عطف الطاغية واجهوه بحقيقة أن وجوده لم يكن إلا نتيجة لضعفهم وتفرقهم وانغماسهم في أهواء نفوسهم. هذا الاعتراف جعل تيمورلنك يشعر بأنه أداة قدرية وليس مجرد محارب عابر وهو الدور الذي كان يستهويه دائما. والآن.. لو استبدلنا تيمورلنك بالطاغية ترامب وهو العائد بزهوه وغطرسته، فهل يرتقي جماعة الإطار التنسيقي إلى مصداقية وشجاعة قوم همدان؟ هل يملكون الجرأة لمواجهة الذات والاعتراف بأن الثغرات التي ينفذ منها الخصوم لم تكن لتوجد لولا تفرق الكلمة وتقديم المصالح الضيقة والانشغال بالمغانم عن المبادئ ووقوع أنفسهم في مستنقع هوى الدنيا الدنية؟ هو سؤال صريح في ساحة الإطار.. فهل من مجيب؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى