اخر الأخبار

تأريخ المحافظات.. المنزلة العلمية والدينية للنجف الأشرف

kipiopoi

طـُبـّعت مدينة النجف منذ نشأتها بطابع من القدسية والاحترام كونها تضم مرقد الإمام علياً بن أبي طالب (ع) ابرز الصحابة قرباً للرسول (ص) ، فضلاً عن جامعتها الإسلامية الكبرى. وكان لتلك المنزلة الدينية العلمية اثرٌ في انتقال النتاج الفكري إليها من مختلف المدن العراقية وغير العراقية ، الأمر الذي أوجد في النجف حركة فكرية تمتاز عن غيرها من كـُُبريات المدن العراقية مثل البصرة وبغداد والموصل. ومن البديهي أنْ يرافق انتقال ذلك النتاج الفكري إلى النجف هجرة بشرية ، ففضلاً عن هجرة الطلبة من مدن عراقية عدة إلى النجف ، فقد هاجر إليها طلبة العلم من مختلف الأقطار العربية وغير العربية ، فكان أولئك الطلاب يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية ومن بين تلك الثروات أمهات الكتب المخطوطة في الفلسفة والرياضيات والتاريخ والأدب. وقد استحقت النجف أنْ تدعى بمدينة الوافدين الذين كان لثقافاتهم التي امتزجت بثقافة المجتمع النجفي أثـرٌ في الانفتاح الفكري لفئة معينة من هذا المجتمع المحافظ.
تميزت المدارس الدينية ، أو الحوزة العلمية التي تنضوي تحت عنوانها تلك المدارس ، بالاستقلالية في الجانب المالي ، فهي تعتمد في هذا الجانب على ما يصل إلى النجف من الحقوق الشرعية والتبرعات ، لذا لا ترتبط الحوزة العلمية في النجف ، كما هي سائر الحوزات الشيعية ، بالدولة لا من حيث الإنفاق ، ولا من جانب تعيين الزعامة الدينية العلمية على العكس من بعض الجامعات الإسلامية الأخرى المناظرة لجامعة النجف ، ومن بينها الجامع الأزهر ، الذي يرتبط بالدولة من حيث الزعامة والتمويل الأمر الذي قد ينجم عنه شيءٌ من عدم الاستقلال الفكري ، وعلى النقيض من الأزهر يبدو أنّ الاستقلال المالي الذي تميزت به حوزة النجف قد منحها درجة كبيرة من الاستقلال الفكري ، مما ساهم في دعم مركزها وجعلها تحظى باحترام جمهور الأمة .
لم تكن الحوزة العلمية ، ولا زعامتها الدينية العلمية المتمثلة بالمرجعية مؤسسة تابعة للحكومات ، وقد سارت المرجعية على هذا الخط بوصفه احد ثوابتها ، الأمر الذي جعلها تتحرك بمرونة وقوة على ساحة الأحداث . ولعل هذا يفسر لنا الرفض القاطع للمرجع الأعلى السيد أبي الحسن الأصفهاني (1868- 1946) الذي واجه به احد ساسة العراق حين حاول ربط الحوزة بمديرية الأوقاف على ان لا يعني كل ما تقدم عدم تعرض المرجـعـيات ، أو عـموم الحوزة ، إلى ضغوط من الحكومات المتعاقبة .
ساهمت المكتبات النجفية الخاصة منها والعامة في رفد الحركة العلمية في النجف بما تحتويه من أمهات المصادر في مختلف العلوم ، فضلاً عن نوادر المخطوطات ونفائسها والتي ينهل من نميرها الضماء للعلم والمعرفة من طلبة العلوم الدينية ، وغيرهم من المثقفين ويصف احد مؤرخي المدينة ظاهرة تجمع الكتب فيها قائلاً: “… والنجف ضاهت بغداد في جمع الكتب ، وفاقت عليها بجودة الخط والكثرة والقدم ، واختلاف موضوعاتها “.
لم نستطع الوقوف على رقم دقيق لعدد المكتبات في النجف من خلال ما تيسر لنا الاطلاع عليه من مصادر ، وربما يعود سبب ذلك إلى كثرة المكتبات وظهور واختفاء بعضها بين الحين والآخر ، أما بسبب وفاة أصحابها أو هجرتهم أو بسبب تفريط القائمين عليها أو لعاديات الزمن ، إذ أنّ الملاحظ على المكتبات العامة في النجف ، فضلاً عن الخاصة أنها لم تؤسس بجهود حكومية ، بل بجهود أهالي النجف وزوارها والوافدين إليها ويستثنى من هـذا التعـميم المكـتبة العـامة التي أسـست سنة 1936 من قبل الحكومـة ويرجح أن عدد هذه المكتبات قد تجاوز الخمسين مكتبة ، ساهمت مساهمة فاعلة في الحركة الفـكرية النجفية تلك الحـركـة التي كانت بأمـس الحاجة إلى المطابع لتوسيع دائـرتها .
تعد المجالس النجفية عنواناً بارزاً من عناوين النجف منذ نشأتها ، إذْ أنّ الكثير من زعماء النجف ومشاهيرها ، كما هي اغلب مدن العراق ، يجلسون في بيوت خاصة أو جناح منعزل أو غرفة منعزلة عن المنزل تسمى بالبراني ، وتعرف هذه الاجتماعات أو الـدواوين بـ (المجالس ) ، التي يكاد تأثيرها في تكوين الشخصية النجفية ذات الثقافة العالية يفوق تأثير المكانة العلمية ، التي تبوأتها المدينة ، بحـسب ما أكده احـد المعـاصرين للمدة موضوعة البحث .
ساهمـت تلك المجالس بشكل كـبير في صقل وبناء العقلية النجفية المـثقـفة فضلاً عن غيرها ، من خلال ما تتناوله من شؤون مختلفة سواء كانت عامة أم خاصة وما يستجد في عالم السياسة ، و تثار في هذه المجالس أيضاً المسائل الفكرية ، وتشمل عادة ً علوم الفقه والأصول والتفسـيـر والحديـث والفــلسـفة والأدب بـحسـب ثـقـافـة صاحـب المجـلس وحضوره ، ويصف جعفر الخليلي هذه المجالس بأنها : “… أشبه بقاعة المحاضرات والدرس ، والمباراة الشعرية ، بل كثيراً ما قامت هذه المجالس بمهمة المحكمة ففصلت بين المتشاكين … والى مثل هذه المجالس يعود الفضل في بذرة الاستقلال … ومن هـذه المجالس انبعثت فـكرة ثورة النجف الأولى في وجه الانكلـيز والى مثل هذه المجالس يعود الفضل في تضييق دائرة الحروب القبلية”.
إنّ أشهر المجالس تلك التي تعقدها الأُسر العلمية ، التي كان لكل منها اما منتدىً أدبي أو مجلس علمي ، وغالبا ما تكون مجالس النجف أسبوعية وهي بالعشرات ، فضلا ً عن المجالس التي تعقد في ليالي شهر رمضان وتلك التي تـُعقد بمناسبات ذكرى وفيّات الأئمة المعصومين، ويقسم احد الباحثين هذه المجالس إلى واحد وعشرين نوعا ً، اما على وفق مهن أصحابها أو أماكن عقدها أو المناسبة التي تعقد من اجلها أو بحسب الميول العلمية والأدبية لأصحابها أو روادها، في حين يحصرها باحث آخر بثلاثة أنواع فقط.
لم تكن النجف مقطوعة الصلة ببقية أنحاء العراق ، فضلاً عن العالم ، ولم تعدم الوسيلة اللازمة لهذا الغرض على الرغم من صعوبة المواصلات والاتصالات في النصف الأول من القرن العشرين ، فمن مجالسها كانت تنتشر الأخبار السياسية وغير السياسية سواء منها ما يخص العراق أم العالم ، ولهذه المجالس مصادر عدة للمعلومات منها ما يصل إليها من صحف ومجلات من بغداد وبيروت والقاهرة وإيران ، وبجانب ذلك كانت الأخبار التي يحملها الجنـّازون معهم عن المناطق القادميـن منها ، تـمثل مـصـدراً آخـر لمعـلومات المجالس النجفية ، إذ لم تكن حركة نقل الجنائز إلى النجف ذات مردود اقتصادي وحسب ، بل كانت ذات مردود ثقافي أيضاً.
إمـّا المصدر الثالث لمعلومات تلك المجالس كان طلبة العلوم الدينية والزائرين والوافدين على النجف من داخل العراق وخارجه ، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية وكذا كانت الرسائل التي تصل إلى علماء الدين والمراجع في النجف من مختلف بلدان العالم ، قناة أخرى من قنوات اتصال النجف بالعالم ، وكانت تلك الرسائل تحمل أخبار متنوعة سوى ما فيها من أسئلة شرعية أو طلباً للتوسط في قضاء حاجات عامة أو خاصة ولاشك أنّ تلك الرسـائل كانت تحمل معها جانباً من أخبار وأحوال المناطق الواردة منها لـــــــــذا كانت النجف من أكثر مدن العراق اتصالاً بالعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى