من الذاكرة البغدادية غرق بغداد عام 1936 .. «سلك الأنكر يغرق» مركب الإنكليز أبو السلة

في سنة 1931 وفي الوقت الذي كان فيه ماء نهر دجلة عاليا بسبب الامطار المبكرة كان المركب الحربي البريطاني المسمى عندنا (ابو السلة) لان مدافعه الرشاشة كانت مركبة على حامل يشبه السلة ويجلس فيها الرامي، وكان هذا المركب المطلب باللون الخاكي العسكري مخترقا نهر دجلة باتجاه شاطئ (المجيدية) في باب المعظم، وكان الجسر القديم مفتوحا لمروره، وفي اثناء عبوره الفتحة لاحظ قدوم زورق بخاري بالاتجاه المعاكس، فحاول ان يتحاشاه خوفا من الاصطدام به وفي اثناء هذه المحاولة علقت مروحته الخلفية بالسلك الحديدي الضخم الذي يربط الجسر بالانكر وعندما حاول التخلص منه جرفه تيار الماء فجنح المركب الى جانبه وبدأ يغرق ما شيا مع التيار حتى استقر في قاع نهر دجلة على مسناة (باب السيف) في المحل نفسه الذي تقف فيه زارق عبور نهر دجلة اليوم وكان دجلة مازال عميقا في هذا الساحل. لذلك لم يبق من المركب ما يرى. عدا مدخنته وسلة المدفع الرشاش والقسم الاعلى من سطحه، وعندما انتهى الفيضان وانحسر ماء دجلة حاول البريطانيون تعويم المركب ولكنهم فشلوا في ذلك ثم جاء اخيرا بجنائب كبيرة جدا ونصبوا عليها مضخات الماء لتمتلئ وتغوص حتى حافتها العليا، ثم نزل الغواصون، وربطوا هذه الجنائب بالمركب الغارق ربطا وثيقا من جميع الجهات ثم بدأوا يتفريغ الجنائب من الماء كي تطفو وترتفع الى الاعلى قالعة المركب الغريق من ارض النهر، وحين تحرك المركب الى الاعلى بدأ المهرجان والتصفيق من الناس الكثيرين والعمال والجيش البريطاني المزدحمين على شاطئ المجيدية، ولم نعرف ماحل به بعئذ، اما صاحب الزورق البخاري الصغير الذي اثار الذعر في قائد مركب (ابو السلة) وكان اسمه (مهدي نعيمة) وهو من سكان الكرخ فقد القي القبض عليه وسجن ولكنه خرج من السجن بعد بضعة اشهر.
رابعا: غرق بغداد سنة 1936 حين كان نهر دجلة في اوج الفيضان، وذلك ان مضخة زراعية كانت تجاور البلاط الملكي لتسقي بساتين ومزارع الوزيرية، ومنها المزرعة الملكية في الوزيرية، فقد رآى السيد (توفيق المفتي) وكان مديرا للمزارع الملكية ان الوقت مناسب لفتح الناظم غير النظامي الموجود في السدة، لكن الكرادة وفلاحي بستان الدفاعي منعوه من ذلك، بعدّه يشكل خطرا كبيرا ولا يمكن وقف اندفاع الماء في ذروة الطغيان ولكنه اصر على ذلك اقتصادا في نفقات تشغيل المضخة. وحالما اوجد الفتحة في ذلك الناظم، تدفق الماء منطلقا بقوة لم يستطع لاهو ولا الفلاحون ايقاف الاندفاع وهرب الفلاحون لانقاذ اطفالهم وممتلكاتهم، وتركوا السدة والماء الذي اجتاح الاراضي والبساتين واحاط بغداد حتى الباب الشرقي، وخرجنا نحن طلاب المدارس للمعاونة في اقامة السدود المؤقتة باكياس كنا نملأها ترابا، ووصل الماء الى حائط جامع (الازبك) في باب المعظم وكنا نرى صناديق البضائع والشخاط طافية على سطح الماء. هي وكل بضائع (البوند) وهو مخزن السكك الحديد الذي كان في باب المعظم جوار مديرية السجون العامة، كما كنا نرى الافاعي والجرذان وجثث الماشية الطافية فوق سطح الماء وانخفضت مياه نهر دجلة وسيق المفتي الى المحاكمة بعد توقيفه وانتهى الامر ونقل البلاط الملكي وسكن الملك فيصل الاول في بيت (مناحيم دانيال) الكبير في محلة السنك، وكاد ان يتكرر هذا الحادث في الخمسينيات حين حدثت كسرة صغيرة في سداد نهر دجلة بالكرادة الشرقية بالقرب من الجسر ذي الطابقين، ولكن همة اهالي الكرادة، والموقف الحازمن الذي وقفه حاكم الكرادة القاضي الاستاذ (سلمان بيات) الذي اشرف على العمل بنفسه، وظل يومين كاملين على السداد وبعدها اوقف تسرب المياه بعد ان غطت وملأت اراضي كثيرة من الكرادة والجادرية، وكادت تعبر الى داخل بغداد، وحين سئل حاكم الكرادة عن سبب قيامه بهذا العمل برغم كونه قاضيا لاعلاقة له بالفيضان والسداد اجاب قائلا: (انا مواطن قبل ان اكون حاكما وهذا واجبي) وباشرت الحكومة بعد انتهاء الفيضان وجفاف المياه والطين بتعديل طريق الاعظمية مابين البلاط والاعظمية، الذي يمر ما بين البساتين الكثيفة وتبع الناس آل (الجوربجي) الذي بنوا اول بيت فخم على طريق الاعظمية بالقرب من ساحة عنتر، وازداد بيع الاراضي والاعمار، وقد حاول مؤسسو نادي صيد الحمام الذي كان قرب جسر الصرافية، مقابل بيت المميز اعادة النادي ونشاطه، ولكنهم فشلوا في ذلك لان بناية النادي قد تهدمت تماما بفعل الفيضان، وبقيت المياه راكدة في ارضه مدة طويلة، حيث كان في منخفض من الارض، وانتهى النادي بلا عودة وفي السنة نفسها ذعر اهالي بغداد صباحا على اطلاق نار كثيفة من البنادق وظهر بعدئذ ان بعض المساجين في سجن بغداد المركزي قد هربوا عن طريق المستشفى الملكي المجاور للسجن ومنهم الاثوريون المحكومون عن حوادث كركوك (تمرد الاثوريين في كاوورباغي)، لكن مستخدمي المستشفى والشرطة والناس اجمعين تمكنوا من القبض عليهم، عدا اربعة منهم ظلوا مختفين حتى المساء، في داخل القصب الكثيف النابت في الخندق المجاور لحائط القلعة (وزارة الدفاع) الذي اقيم عليه اخيرا بهو الامانة وقاعة الملك فيصل.




