ثقافية

“تمر الأصابع” رواية عن الإحساس بحب الوطن في عوالم ونفس العراقي المغترب

 المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الناقدة سماح عادل ان رواية “تمر الأصابع” للكاتب محسن الرملي تتناول الإحساس بالوطن حتى وإن كان غير آمن لكنه ساكن بقلب المغترب، مبينة ان بطلها متمرد على سلطة البعث الغاشمة .

وقالت سماح عادل في قراءة نقدية خصت بها (المراقب العراقي) : ان رواية “تمر الأصابع” للكاتب ا“محسن الرملي” تتناول الإحساس بالوطن الذي لم يكن وطنا آمنا، إلا أنه يظل ساكنا بداخل المغترب، يعيش معه وفي أجواءه حتى وهو في بلد آخر استقر فيه فسليم: البطل، شاب في الثلاثينات من عمره، يعيش في إسبانيا، لكنه يظل دوما مشدودا إلى وطنه العراق، يعلق صوره على الحائط ويعيش في شقته الصغيرة حنينه الكامل لوطنه، يجد أبوه بالمصادفة في إسبانيا ويتكشف له الأمر تدريجيا.

وأضافت : ان نوح: أبو البطل، وهو بطل في الرواية أيضا، فقد بدأت محنة العائلة به، حيث ثار لفعل تحرش قام به أبناء أحد المسئولين تجاه ابنته الصغيرة، ومن هذه الثورة بدأت محنة عائلة “نوح” التي سوف تكبر وتظل تعذبه هو وابنه سنوات طويلة، هو ثري يحمل في داخله شخصيتان متناقضتان تماما، شخصية مطيعة شديدة التدين والتمسك بالشريعة والطاعة المقدسة لوالده، في حين أن شخصيته الأخرى تميل الى التمتع بالحياة وبالحب وبصحبة البشر من مختلف الجنسيات وبالمرح والصخب، لكنه في النهاية ينحاز للشخصية الأقرب إليه.

وتابعت : ان الجد: رجل صارم، قوي حازم، كان يحكم عائلته ويزرع فيهم دوما منطق الثأر لأنفسهم ممن يعتدي عليهم، لذا فقد قاد عائلته لمعاداة الحكومة حين قبض على “نوح” بعد أن ضرب الفتي الذي تحرش بابنته، وقد قاد هذا التمرد إلى محنة كبيرة عانت منها العائلة، لكن الجد كان قويا وقائدا وحمل عائلته إلى أن تبني قرية جديدة بعد أن هجروا قريتهم بينما آزاد: صديق كردي ل”نوح”، يقوم بالانتقام من رجال السلطة بسبب أنهم قتلوا عائلته وهدموا قريته، ساعد “نوح” وعملا سويا لأجل الانتقام.

وأشارت الى الراوي هو البطل “سليم”، يحكي عن نفسه ومشاعره الداخلية وإحساسه بوطنه وبعائلته وبجده وأبيه، ويحكي عن الشخصيات من خلال وجهة نظره هو ورؤيته لهم.

وبينت : ان السرد محكم البناء يعتمد على التداعي في ذهن الراوي، يحكي عن نفسه وهو يعيش في إسبانيا ليعود إلى طفولته وقريته، ثم يعود مرة أخرى إلى اسبانيا وهكذا، الرواية تقع في حوالي 174 صفحة من القطع المتوسط، لا تعتمد على التشويق بقدر ما تعتمد على أحداث ثرية.

وأوضحت :ان أهم ما تتناوله الرواية فكرة الوطن، والصراع بين أناس متمردون يعتزون بأنفسهم وبين السلطة الغاشمة التي تريد إخضاع الناس وتسير وفق مصالحها، فهي سلطة ظالمة طبقية تحابي من ينتمي لها وتشجع الفوارق الطبقية، وفي حين أنها تتيح كل شيء للقريبين منها تتعامل بأشد درجات العنف والقسوة مع باقي المواطنين، خاصة الذين يتمردون عليها أو يواجهونها، فقد تم التنكيل ب”نوح” لأنه ثار عندما تحرش أحد الشبان بابنته، وقد قوبل غضبه هذا ببطش شديد من السلطة وتعذيب بالكهرباء حتى أنه تأثر جسديا وأصبح أعرجا، وعائلته التي قررت مناصرته ومهاجمة المحافظة في المدينة التي سجن فيها نكل بهم أيضا وغيرت الحكومة لقبهم من “المطلق” إلى “القشامر”.

وأستطردت : ورغم أنهم استمروا في تمردهم وهاجروا إلى مكان جديد بنوا فيه قريتهم بمعزل عن الحكومة وسلطتها، إلا أن السلطة قررت أن يخضعوا لها وأخذت أبناء القرية إلى الحرب مع إيران، ليموت عددمن الشباب ويرفض الجد دفنهم دون الثأر لهم، وهنا تتفاقم المحنة ويصبح موت الجد مخرجا لها، فقد تعفنت الجثث والأهالي يريدون دفن أبنائهم و”نوح” يقر بأنه ضعيف في مواجهة السلطة الغاشمة، و”سليم” يترك القرية هربا من احتدام الأزمة، ويترك بلده ويظل يتنقل في البلدان إلا أن يستقر في إسبانيا.

وأكملت :يحتفظ “سليم” بالوطن داخله، يستسلم للحنين وكأنه يعيش فيه في شقته الصغيرة، في حين أن والده يتحين الفرص للأخذ بالثأر وتنفيذ وعدا قطعه لوالده أن يثأر من ذلك الشاب، ويترك “نوح” شخصيته الأخرى لتتحرر تماما، ويهجر قريته هو أيضا سعيا وراء الانتقام ويذهب إلى إسبانيا ليستقر فيها ويتعامل كقائد ذكي، وحين يرى الصور التي يعلقها ابنه للعراق حتى وإن كانت صور لمذابح أو مجازر يسخر من تعلقه الشديد بالوطن، مؤكدا له أن الوطن هو الذي نختاره وليس الوطن الذي نولد فيه ونعيش بلا أمان، ليشتعل الصراع بين البطلين ويصل إلى ذروته، ويكون الحل مرضيا ل”سليم” وهو أن يترك والده فكرة الثأر ويواصل حياته، لأن الثأر عنف موازي ويستجيب “نوح” لابنه ويترك الثأر ويقرر مواصلة حياته في ألمانيا ويحاول عمل تصالح بين شخصيتيه المتناقضتين في حين أن “سليم” يقرر الاستقرار بصحبة “فاطمة” والعيش بسلام.

ولفتت الى ان الرواية تتميز بأنها تحكي عن العراق في الفترة ما قبل الحرب مع إيران  في الثمانينيات وحتى فترة الحصار عليها قبل غزو أمريكا، وكيفية تعامل السلطة مع الناس، وجرها للشباب إلى حرب لا طائل لها، كما أنها ترصد كيف تتعامل مع من يتمردون على السلطة، وكيف أن هناك أناس كانوا يفضلون مقاومة السلطة رغم بطشها بعزيمة وقوة.كما تحكي عن إسبانيا من خلال معايشة “سليم” لها وكيف أن العجائز يعاملونه بتوجس ويرفضون وجود لاجئين، في حين أن شخصية مثل “روسا” تتعامل بحب واهتمام، وأناس آخرون يتقبلون اللاجئين بترحاب وفضول للتعرف عليهم وعلى تميزهم، الرواية محملة بأحاسيس كثيرة ثرية، حنين إلى الوطن والعائلة والجد، وأيام الطفولة التي تنحفر عميقا في ذات الإنسان، كما ترصد مشاعر النقمة والسخط كرد فعل على الظلم الفاحش.

وختمت :يجب أن أقــــول :انّ هذا العمل الأدبي كان عملا سرديا شكل تحفة خيالية تاريخية بإمتياز عملت فيه الكاتبة على ابراز حقيقة العالم الفوضوية و اظهار الصورة النهائية للقرارات اللاعقلانية التي من شأنها أن تضر بالحاضر و تفسد المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى