تمرين سردي.. رجل بلا ذكريات

محمد خضير..
يملك الجيلُ الأقدم بضعَ بطاقات بريدية (جاهزة للإرسال أو أنها أرسِلت فعلاً على مراحل). بطاقات (البوست كارت) هذه كانت تُعادِل حالةً من الاطمئنان (جواباً على شعور بنقص الأوكسجين وتعريف الهوية) ينبغي لمالكها (أو متلقّيها) الحفاظ على جِدّتها ورونقها التصويري (رمزيتها الأيقونية) أطول مدة ممكنة (الانفعال بما تمثّله من ذكريات) كلما أعاد استعمالها في غرض أدبي (باعتباره كاتب قصة).
نفترض أنّ كاتب القصة تلقّى البطاقات تباعاً على مدى سنين طويلة من مرسلٍ مجهول (بدأ بتعريف هويته هاوياً للمراسلة البريدية التقليدية التقطَ عنوانَ الكاتب من مجلة شهرية). كلّنا (نحن العاطفيين المتماثلين في استعمال الرمز بدل الحقيقة) سيرجع لترتيب البطاقات بحسب تاريخ ورودها. وستلعب المصادفاتُ دوراً عجيباً في مواقيت الارسال. يوم تلقّى الكاتب المفترَض (يكتب بضميره الأول) البطاقةَ الاولى، صادف ذلك تاريخ اجراء عملية استئصال لزائدته الدودية، في شبابه. وحين وصلت بطاقة أخرى بتاريخ صادف إنجابَ أول مولودٍ له، اعتبر الكاتبُ ذلك هدية “سماوية”. وهكذا فإنّ تواريخ ورود البطاقات ستؤلف سيرةً تستغرق ثمانين عاماً (آخر بطاقة تلقّاها الكاتب أرِّخت بيوم احتراق مستشفى للعزل الوبائي ببغداد).
يخمّن الكاتبُ القصصيُّ مهنةَ المرسِل الحقيقية مع نفسه (مصوِّراً فوتوغرافياً، دليلاً سياحياً، حارس متحف، ممرّضاً في مستشفى، استاذ تاريخ). وفي مرّة حسِبَ الكاتبُ هويةَ المرسِل (سائقَ قطار، أو فاحصَ تذاكر- 😭).
لكن، كيف توصّلَ الكاتبُ الى الصفة الأخيرة (فاحص تذاكر)؟
كان المرسِل عادة ما يدوّن عبارات مقتضَبة على ظهر البطاقة البريدية من مثل: “أشعرُ بأنّ صورة هذه البطاقة حُمِّضت بسائل تالف- أكسباير”.
أو هذه العبارة: “التاريخُ جثة محنَّطة في متحف، أفخرُ بحراسة هذه المومياوات رغم أن ثلاجة الموتى معطلة”.
ويوم تلقّى الكاتبُ بطاقةً، أوحَت إليه بمهنة سائق قطار، أو فاحص تذاكر، فقد رافقت الإرسالَ مواساةٌ هائلة، مخطوطة بريشة قلم حبر سائل: “صديقي، أنظر من النافذة- كم يبدو العراق فسيحاً، أخضرَ الزروع، مجهول البقاع!”.
كان تظهير البطاقة البريدية بالعبارة الأخيرة كافياً لكي يقلق الكاتبُ على مستقبل نصوصه القصصية. فالرسالة قد تحمل مجازاً مغلوطاً، وأنّ نصّاً من نصوصه لن يتحرّك من مكانه قيدَ شجرة في حقلٍ يمرّ به قطار.
أمّا حين وصلته بطاقةُ “الثمانين”، بهذه العبارة المخطوطة على عجل: “تعساً لحياة تُقاس بقنينة هواء!” فقد خمّن الكاتبُ أنّ صديقه المرسِلَ قد قضى اختناقاً في حريق مستشفى العزل، ولم يكد يعثر على كلمة “أوكسجين”..
سينقطع إرسال البطاقات البريدية (المحفوظة في صندوق قديم)، وقد يخمّن قارئٌ (عاطفيّ جداً وطافح بارتياب كارثيّ) أنّ البطاقات البريدية القديمة تعود لكاتب القصة نفسه، الذي رتّبها في عيد ميلاده الثمانين، وأنّه بدأ تظهيرَها بقلم الحبر السائل، الذي أهدِي إليه مع مجموعة ميداليات في مناسبات سابقة، في ليلة احتراق المستشفى…
إنّ القصة التي يلتقطها قارئٌ عاطفيّ ومُرتاب، من بين منشورات عدة، على هاتفه النقال، قد تُنسَب لأيّ كاتبٍ يعتبره في سرّه “رجلاً بلا ذكريات”..



