حين يبث الشعراء آهات ناطقة

د. نضير الخزرجي
للسياحة أبعاد مختلفة وفوائد جمّة، لا يدرك عين مغازيها إلا من تجول في البلدان، بل ويستشعرها ذاتيا من لم يجد قدرة على التنقل، فهي مسألة شعورية بصيرية تترجم فعليا عبر المشاهدة الحسيّة البصرية، وتتحقق الفائدة المرجوة عبر الاحتكاك المباشر ونيل الأوطار. ومثلها في عالم الشعر والتنقل من فضاء شاعر إلى آخر، والخروج من غرض شعري والدخول في آخر، وارتقاء سلّم القوافي، فهي سياحة شعرية وشعورية، فالشعر الحقيقي لا يقال له شعر ما لم يحرّك الشعور الداخلي ويطلق من النفس حسراتها وعن الأضلاع زفراتها، فكما يطلق سائح البلدان لناظريه أحداقهما، يطلق سائح القوافي لنفسه تجرداتها، فالمتعة لا تتأتى من النظر المجرد عن التعاطي مع المحسوس، ولا تتأتى المتعة من القراءة المجردة عن التعاطي مع الشعور.
والمرء بأصغريه قلبه ولسانه، وإذا حسنت السريرة طهر القلب وعفّ اللسان، والقافية بنت الشعور، والشعور إرهاص لتموجات الفؤاد، وحيثما اتجهت موجة القلب كان الشعور ظلها، ولا يملك الإنسان من نفسه إلا أن يتأثر بالأمواج، وحيثما حطت القوافي الشاعرية رحالها حط سائح القوافي عندها مشاعره، ولأن قوافي الشاعر المجيد تتقلقل بين أطباقها وراء قلبه ومشاعره، فإنها تسيل على لسانه رقراقة صافية، وإذا أنشأها ربانها في الرثاء جاءت آهاتها ناطقة وتفجعاتها باصرة، وحيث لا يوم في التاريخ الإنساني كيوم عاشوراء، فإن قوافي الشعراء لبست رداء الفجيعة، تئن وتنوح، تنتقل من بحر إلى آخر عبر سفينة من الوجع الحسيني الذي يتعثر بأذياله في الصدور، ويبقى يفور لتبقى الأمة مستيقظة تبطل سحر فرعون وأضرابه، وتغرقه في يمّها قبل أن يسخِّرها لبناء صرح أهراماته.
ولطالما حرّكت القصائد المشاعر وأبطلت كيد سحرة الجن والإنس، وقرعت أبواب الظالمين وأفسدت عليهم أحلامهم، وإذا كانت القصيدة مدماة، حملت على كفها ضحيتها، تستنفر المشاعر من عقالها والدموع من آماقها، تستشعر الذات ولا تجلده، وتحرك الأقدام ولا تقعدها، ولذلك كانت القصيدة حليفة كل نهضة تحررية، وتتقرقع القوافي حيث تقرع الطبول، والقوافي الحسينية المضمخة بعبق الشهادة هي أبلغ في النهضة وأقدر على استنهاض الأمة، وهذا ما لمسناه في القصائد والمقطوعات والأبيات التي نظمت على مدى أربعة عشر قرنا من تاريخ واقعة كربلاء عام 61 هجرية وحتى يومنا الحاضر، وهذا ما وجدناه في الجزأين الأول والثاني من كتاب (ديوان القرن الثاني عشر)، ونجده في الجزء الثالث الذي صدر حديثا (1430هـ/2009م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 406 صفحات من القطع الوزيري، لمؤلفه الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي، حيث يستوعب القوافي من حرف الميم حتى الياء والتي نظمت في المدة الزمنية (1689-1786م).
يختمر العنوان كأي عنوان لرسالة أو كتاب أو قصة أو شركة أو معمل، مادة المسمى، فعنوان الكتاب يدل على فحواه، ويستطيع المرء أن يأخذ فكرة عامة عنه من خلال العنوان من غير أن يقرأه، فهناك وبشكل عام ملازمة بين عنوان المسمى ومادته، ومثل هذا يقال للمثل الذي تتداوله أمَّة من الأمم، فهو يمثل مفهوما عاما وعريضا لمسمى أو حالة أو ظاهرة أو شخص، يستطيع المرء من خلال المثل المكثف بكلمات قصار باللهجة الدارجة أو الفصحى أن يستدل على المراد.
وللمثل معانٍ عدة بيد أن معظمها تتحرك في دائرة العبرة والإعتبار وإصابة الهدف، وحسب تقدير النظّام إبراهيم بن سيار البصري المتوفى سنة 231 هـ: (يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام، إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة)، وبتقدير الباحث العراقي المعاصر الدكتور جليل بن إبراهيم العطية: (الأمثال مرآة تعكس خبرات الحياة وعادات الشعوب وقيمها وتقاليدها وهي منجم ثرّ للباحث في دراسة المجتمع أو اللغة أو التقاليد الشعبية لدى الأمم)، وبرأي الكاتب اللبناني المعاصر العراقي المولد حسين بن محمد الطيبي العاملي في مؤلفه “كتاب الحكمة العربية”، أن: (الأمثال جمل قصيرة لها معانٍ كبيرة تشف عن تجارب الناس وعن الأفكار النابعة من حياتهم وعن أحكياتهم خلال مئات السنين، تنميها عقولهم وتصقلها ألسنتهم ليتوارثوها جيلا بعد جيل أوعية للحكمة. والمثل زينة للحديث كما هو دليل دقيق رقيق لمغازيه، وهو أيضا خزين من المعرفة وسجل للعادات والتقاليد، وقد نقرأ فيه حدثا من حوادث التاريخ).
فالمثل في مؤداه العام أبلغ في الوعظ والإرشاد والتدبير والحث على الخير والنهي عن الشر، أي يدخل في باب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) سعيا إلى تكثيف عمل الخير في الفرد أو الأمة وتقليص موارد الشر، من هنا فإن المثل يظهر على لسان شاعر فينتشر في الآفاق مثلا، أو أن الشاعر يأخذ مثلا قائما ويدسه في قصيدته فيذهب المثل والبيت مثلا بين الأمم، وهذا ما نلاحظه في عدد من قصائد ديوان القرن الثاني عشر الهجري، ومن ذلك قول الشاعر البحريني محمد بن أحمد آل عصفور المتوفى سنة 1182هـ في قصيدة بعنوان (اسأل العين القريحة)، من بحر الكامل:
أتَرومُ سُلواني سَفِهتَ فَدونَه *** خرطُ القتاد وحَسْوُ صابٍ عَلقَما
إن المصيبةَ بالحسين عظيمةٌ *** منها السّما حُزناً بكته بالدما
وهنا أدرج الشاعر في القصيدة المثل العربي (دون ذلك خرط القتاد)، للدلالة على استحالة الأمر أو صعوبة تحقيقه، فالقتاد هو شجر صلب له شوك صمغي، والخرط هو تجريده من قشرته أو شوكه يدويا.
وقد تذهب شخصية معروفة مثلا لما اشتهرت فيه، من ذلك الشاعر والخطيب سحبان بن زفر بن إياس الوائلي الباهلي المتوفى عام 54 هـ، فهو خطيب وشاعر يضرب به المثل في البيان، فيقال “أخطب من سحبان” أو “أفصح من سحبان”، من ذلك قول الشاعر الخليجي حسن بن محمد الدمستاني المتوفى سنة 1181هـ، في قصيدة من الطويل من عشرة أبيات بعنوان (تريب المحيّا)، ومطلعها:
وَلَمْ أنسَ أختَ السِّبطِ إذْ بَصُرَتْ به *** تريبَ المُحيّا حافصَ القدّمّينِ
ثم يصل الشاهد:
إليكم يا ولاة الأمر مرثيةً *** من الموالي الأواليِّ الدَّمِستاني
حسناءُ تسحبُ ذيلَ الفَخْرِ زادَ به *** على فصاحة حسّان وسحْبانِ
وهنا يشير الدمستاني إلى الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي المتوفى عام 54 هـ الذي يضرب به المثل في قوة نظمه وسرعة بداهته، وإلى الشاعر المخضرم سحبان الوائلي في فصاحة خطابته وجزالة شعره على قلته.




