ثقافية

«الجسر والهاوية» أقانيم التجربة وسيرة الكتابة وذاتها

المراقب العراقي/ متابعة…

في ثقافتنا الشعرية الحديثة، وجدنا الشعراء يضعون تآليف وكُتيبات لشرح «نظرياتهم» في الشعر وبسط آرائهم ومواقفهم حوله، إلا هذا الشاعر الذي كتب «الجسر والهاوية» من أجل أن يقطع مع السبل المُيسرة إلى شعره؛ وهذا دليل آخر على غرائب هذا الخيميائي ومُتعه العجيبة.

يمكن أن نعتبر كتاب محمد بنطلحة «تطريسًا» سيرذاتيا مختلفًا يتعلق بمفاصل رئيسية بأقانيم تجربته وتطورها، وجنسه كونه «سيرة شعرية»: تشتمل السيرة على نحوعشرين فصلًا؛ وهي فصول مركزة كانت، في الأصل، بمثابة مداخلات ألقاها الشاعر على فترات متقطعة (1992- 2015) في هذا اللقاء، أو ذاك حول تجربته الشعرية، أو على إثر صدور إحدى مجاميعه الشعرية. منها ما ألقاه الشاعر بالعربية (أربعة عشر فصلًا) ومنها ما كتبه بالفرنسية (خمسة فصول) حيث توجه عبرها إلى قارئ أجنبي بشكل أوجد معه ميثاقًا قرائيا مختلفًا من حيث العناصر والأفكار التي عولجت فيها، مثل: البعد المتوسطي للشعر، المركز والهوامش، نشأة الشعر المغربي الحديث ولغاته، إلخ.

تبدو لنا هذه السيرة مكتوبةً بلغةٍ مُفكر فيها ومفارقة تمزج بين التأمل النظري والبحث المعرفي الأركيولوجي بالنفس الاستعاري، فأتت مقاطع غير قليلة منها، كأنها متواليات أو نصوص شعرية، كما في نص «من متاهة إلى أخرى».

يستعيد الشاعر شذرات من طفولته وإقامته في فاس؛ حيث قضى ماشيًا بين المدرسة العنانية والدار التي نزل فيها ابن خلدون، مرورًا بـ(قنطرة الرصيف) وعاش وسط أمكنتها الواقعية السحرية (جنان السبيل، القطانين، المخفية، ظهر المهراز) التي استلهم منها أبجديات الشعر ومحبته، كما التقى عبرها شخصيات كان لها صيت محلي خُرافي، مثل: عسالة، جربا، زرزاية. وأيام دراسته في الثانوية أو في كلية الآداب، وتعرف على «أغاني الحياة» لأبي القاسم الشابي، و«الآداب» التي فتحته على مذهب الوجودية وعلى نصوص الشعر العربي الحديث التي أفهمته أن «الشعر تحويلٌ عارمٌ للأنساق وللقيم» وكتب محاولاته الأولى في كتابة الشعر الحر عام 1970، التي كانت تتحسس مثل هذا الفهم. يقول: «في خضم ذلك الجو المشحون بالكثير من تناقضات المرحلة والتباساتها لم أَكُنْ عابرًا محايدًا. كنت ذلك العابر القلق. وكنت – في الوقت نفسه ـ أشحذ أدواتي بدون جلبة أو ضوضاء».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى