مــا معنــى ولايــة الله ومن تشمــل؟

آية الله محمد مهدي الآصفي
يقول الله تعالى في محكم كتابه:”اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ.. وكلمة(الولي) وصف للّه تعالى تجاه عباده،ووصف للعباد تجاه الله فهو من الأوصاف المشتركة المتقابلة. في الجانب الأول يقول تعالى:”إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ”،ويقول تعالى:”أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين”.وعن ولاية العباد للّه تعالى يقول تعالى:”أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ”.معنى ولاية الله
تأتي ولاية الله بمعنيين:
أـ الولاية بمعنى الحكم والأمر والسيادة.
يقول تعالى:”إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ”.
ب ـ الولاية بمعنى التدبير والرعاية.
يقول تعالى:”اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ”.
ونحن نقصد بـ (ولاية اللّه) في هذه المقالة..هذا المعنى الأخير ولابد من توضيح لهذه النقطة.
خلق الله تعالى الناس ووهبهم العقل والمعرفة ليؤمّن لهم معاشهم ومعادهم ووهبهم العصمة التي تعصمهم من الذنوب، والحب والعاطفة اللذين يؤلفان بينهم وحب الأزواج والبنين الذي يجمع شملهم وألْهَمهُم الصدق والعدل والحق، وغرس في نفوسهم الفطرة التي يعرفون بها الهدى من الضلال ورزقهم الغيرة والغضب والإلفة والإرادة والعزم والشجاعة ورزقهم كل ما يحتاجون إليه في حياتهم الفردية والاجتماعية وفي دنياهم وآخرتهم ورزقهم من الطيبات من كنوز الأرض في البر والبحر ما يغنيهم ويكفيهم وحملهم في البر والبحر.. وكل ما يحتاجه الإنسان من رزق، وطعام، وشراب، ولبس، وإيواء، وسكن،وعلاج،وطب،وعلّمهم ما لا يعلمون،ورزقهم غير ذلك مما يحتاجون إليه وهو كثير كثير.
ولكن مع ذلك لم يكلهم الله تعالى إلى أنفسهم،وإنما تولاهم برعايته وتأييده وتسديده بصورة دائمة،ولولا أن الله تعالى يتولى الإنسان في حياته الاجتماعية والفردية بالرعاية والتدبير والتوفيق والتسديد لسقط الإنسان واختلت حياته،فما أكثر ما يصل الإنسان إلى حافّة السقوط والهلاك،سواء في حياته الفردية أم الإجتماعية،ولكن الله تعالى يدركه في اللحظة المناسبة ويتولاه برعايته وفضله بالتدبير والتسديد والإنقاذ والخلاص..وقد عاصرنا نحن في كل التقادير حربين كونيتين وصل الإنسان فيهما إلى حافة السقوط والهلاك لولا أن أدركته رحمة اللّه،وأنقذته،وسلمته.
وما يقال في الحياة الإجتماعية يقال في الحياة الفردية.وكل واحد منّا قد مرَّ بأمثال هذه الحوادث في حياته،ولمس فيها رعاية الله تعالى وتدبيره وتسديده وتوفيقه وانقاذه له،لو أمعن النظر في ذلك.
وهذه الحالات الكثيرة من التدبير والرعاية الإلهية لعباده في الغرائب والشدائد والتوفيق والتسديد الإلهي هي ما نقصده من الولاية الالهية العامة والخاصة،في حياة الناس عامة،وفي حياة المؤمنين خاصة.
وهذه (الولاية) هي أمر وراء ما رزق الله تعالى الناس بالخلق والتكوين.لذا فان الله تعالى هو الخالق المدبّر،يخلق الخلق ويرزقهم ما يحتاجون ثم لا يكلهم إلى أنفسهم،وإنما يواصل تدبيرهم ورعايتهم بعد ذلك..وهذه هي الولاية الالهية.
بعكس النظرية اليهودية إلتي تقرر أن الله تعالى خلق الخلق وأعطاهم ما يحتاجون ثمّ أوكلهم إلى أنفسهم وتركهم لشأنهم، وهي المقولة اليهودية المعروفة التي يشجبها القرآن الكريم:”قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان”.
الولاية العامة
للّه تعالى ولايتان على عباده:ولاية عامة تعم الناس جميعاً،وولاية خاصة يخص بها الله تعالى الصالحين من عباده.
وولاية الله تعالى العامة تعمّ الناس المؤمنين وغير المؤمنين والصالحين والفاسقين،يعمّهم الله تعالى بالرحمة،والرزق والفضل،يطعمهم إذا جاعوا،ويشفيهم إذا مرضوا،ويرزقهم الأمن إذا خافوا،ويدفع عنهم البلاء كلما روّعهم البلاء،ويغنيهم إذا افتقروا،ويعلّمهم ويفتح عليهم أبواب العلم إذا جهلوا،وييسر لهم الأمور إذا تعسّرت عليهم الأمور ويعيد إلى قلوبهم الأمل إذا يئسوا،ويلقي في قلوب بعضهم الرحمة للبعض،وحب التعاون،لتنظم أمور حياتهم.فكم من خطر يدفعه الله تعالى عن حياة الناس برّهم وفاجرهم،وكم من رزق يرزق الله عباده،وكم من أزمة يفرجّها الله عن عباده من غير طلب ولا سؤال من الناس،ومن غير شكر أيضاً،بل من غير معرفة باللّه.وقد ورد في دعاء شهر رجب:”يا من يُعطي من سأله يا من يُعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة”.وهذه الولاية العامّة للّه تعالى يتمتّع بها كل الناس وليس بإمكان الإنسان أن يعيش ويقاوم ابتلاءات الدنيا ومشاكلها وينظّم حياته لولاها..ويعيشها الإنسان في كل يوم بل لا تفارقه في أية لحظة،ومع ذلك فلا يشكرها الإنسان،بل لا يعرفها،فإذا مات ورجع إلى الله عرفها عند ذلك “وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ”.عندئذ يعرف الله ويعرف رعاية اللّه،وتدبيره له في حياته ولكن بعد فوات الأوان،عندما تنجلي حجب الغفلة عن عينيه يقول تعالى:”فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”.
الولاية الخاصة
وعدا الولاية العامّة التي تعم الناس جميعاً بالتدبير والرعاية والتسديد والتيسير..هناك ولاية أخرى يخصّ الله تعالى بها المؤمنين الصالحين من عباده،يفرّج عنهم الكربات،وييسر لهم أمورهم،ويفتح لهم مغاليق الأمور ويهديهم صراطه المستقيم،ويمنع عنهم شياطين الجن والإنس،ويخصهم من رعايته وفضله وكرمه بما لم يعرفها غيرهم من الناس.
يقول تعالى:”ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً”.وهذه ولاية خاصة بالمؤمنين لا ينالها غيرهم.يقول تعالى:”اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..”.هذه الولاية خاصة بالذين آمنوا”الله ولي الذين آمنوا”.وهذه الولاية:”يخرجهم من الظلمات إلى النور”.ولاجتماع المؤمنين منزلة ورعاية خاصة عند الله تعالى والله عزّ شأنه يمنح اجتماع المؤمنين من رعايته وفضله ما لم يعرفه غيرهم.
شواهد قرآنية على الولاية الخاصة
وفي القرآن الكريم نلتقي شواهد كثيرة على ولاية الله تعالى ورعايته لعباده المؤمنين في البأساء والضراء،وفي نوائب الحياة وشدائدها يقول تعالى مخاطباً رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما رمى الكفار في معركة بدر بحفنة من التراب، وقال(ص):شاهت الوجوه،فما بقي أحد من المشركين إلاّ ودخل التراب في عينه..يقول تعالى لرسوله(ص) في ذلك:”فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى”.فقد كانت هذه الرمية بتسديد من اللّه عزَّ وجل،وهو الرامي في الحقيقة،وإن كانت بيد رسول اللّه(ص).وتذكّر سورة (الأنفال) المسلمين بطائفة من الشواهد على تأييد الله تعالى وإسناده لهم في معركتهم مع المشركين.يقول تبارك وتعالى:”إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ، وما جعله الله إلاّ بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلاّ من عند الله إن الله عزيز حكيم”،كذلك قوله تعالى:”إذ يغشيكم الله أمنةً منه وينزّل عليكم من السماء ماءً ليُطهركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ، إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان”. وهنا يذكرهم الله بما سبق من رحمته وفضله وإمداده لهم في ساحة المعركة إذ مدَّهم بألف من الملائكة مردفين في ساحة المعركة،ليثبّتوا قلوب الذين آمنوا،ويطمئنوهم،ويبشّروهم بالنصر.
ويذكّرهم بما ألقى عليهم من النعاس قبل المعركة،وكان لذلك النعاس الخفيف الذي غلبهم قبيل المعركة دور في إزالة القلق والارتباك عن قلوبهم وإدخال الأمن والاطمئنان إلى نصر الله تعالى في نفوسهم.
ويذكرهم الله تعالى بما أنزل عليهم من المطر قبيل المعركة ليطهّرهم من خبث الجنابة ويزيل عنهم رجز الشيطان،وقد كان المطر سبباً في تلبيد الأرض التي كان عليها المسلمون،فقد كانت أرضاً رملية فتلبدت بالمطر بينما كانت الأرض التي عليها المشركون أرضاً طينية فتطيّنوا وتطينت دوابهم وأصبحت الأرض من تحتهم زلقة:”وليربط على قلوبكم ويثبّت به الأقدام”. ويذكرهم الله بما ألقى في نفوس المشركين من الرعب،ودور الملائكة في ضرب الأعناق والبنان في ساحة المعركة، ويذكرهم الله تعالى بما كان من تأييده لهم ونصره إياهم ويذكرهم بما رزقهم من الطيبات،بعد أن كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم. وفي سورة البقرة “واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون”.
وهنا يذكر الله تعالى بني اسرائيل بطائفة كبيرة من الشواهد على رعايته تعالى لهم وتأييده إياهم ونصره لهم على أعدائهم ورزقه لهم.وكثيرة الآيات التي تشير في القرآن إلى تأييد الله تعالى ودعمه ونصره لعباده المؤمنين.يقول تعالى:”بل الله مولاكم وهو خير الناصرين”،”ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”،”إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا”،”وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير”،”وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيرا”.
وعي ولاية اللّه
وليس كل أحد يعي ولاية اللّه،فأكثر الناس ينعمون برعاية الله ونصره،ورزقه،وتأييده لهم،وتسديده إياهم،دون أن يعرفوا أو يعترفوا أن ذلك للّه،ودون أن يشكروا الله عليه.وقليل من الناس من يعرف ولاية الله وهم أصحاب البصائر من المؤمنين،وأعز شيء في نعم الله البصيرة،فإذا رزق الإنسان البصيرة;لمس يد الله تعالى في كل جزء من حياته،ولمس رحمة الله وتسديده إياه في كل منعطفات حياته،ولم يفقد رعاية الله وتدبيره وتوفيقه حيث يحتاجها.والذين آتاهم الله البصيرة والمعرفة يعرفون يد الله تعالى ورعايته لهم وعطفه عليهم في أحلك الظروف وفي ظروف البأساء والضراء. وقد يدخل الإنسان أزمة شديدة أوضيقاً شديداً في حياته الفردية أو الاجتماعية فيحسب أن الله تعالى قد أوكله إلى نفسه، ونسيه.حاشاه،إنما يرى ما لا نراه من صلاح عبده.ويحتاج الإنسان إلى درجة عالية من الوعي والمعرفة حتى يعلم أن اليد التي تعصر قلبه في المحن والشدائد يد أرحم الراحمين.يقول تعالى:”وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.”فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً”.
مفاتيح تحصيل ولاية اللّه
ويكسب الإنسان ولاية الله تعالى بالايمان،والصلاح والتقوى وهذه الثلاثة هي مفاتيح ولاية اللّه.وبكل من هذه الثلاثة يكسب الإنسان رعاية الله ورحمته وتسديده وتأييده وحفظه وستره.يقول تعالى عن ولايته للمؤمنين:”ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم”.وعن ولايته تعالى للصالحين يقول:”إن ولييّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين”.وعن ولاية الله للعاملين يقول تعالى:”لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون”.وعن ولاية الله للمتقين يقول تعالى:”ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”.وهذه الرعاية والتدبير خاصان بالمتقين،كما أن الله يبصّر المتقين بخطر الشيطان وينذرهم ويذكّرهم لئلا يقعوا في شراك الشيطان يقول تعالى:”إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون”. كذلك رعاية الله تعالى ليوسف الصديق(ع) ففي قصة يوسف بعد أن أعز الله تعالى يوسف الصديق،ونجّاه من نوائب الدهر وكيد اخوته قال له اخوته:”أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منَّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”.وقد نال يوسف الصديق(ع)هذه الرعاية والتأييد بالتقوى والصبر.
آثار ونتائج ولاية الله في حياة الإنسان
ورد في الحديث القدسي عن رسول اللّه (ص) أنه قال:”قال اللّه:ما تحبّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وإنه ليتحبّب إلي بالنافلة،حتى اُحبه،فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،ورجله التي يمشي بها.إذا دعاني أجبته،وإذا سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله كتردّدي في موت المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته”. وورد نفس المضمون في رواية أخرى عن رسول اللّه (ص) عن جبريل(ع)قال: قال الله تبارك وتعالى:”من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة،وما ترددت في شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس المؤمن،يكره الموت،وأكره مساءته،ولابد له منه،وما يتقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه.ولا يزال عبدي يبتهل إليّ حتى أُحبه،ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً وموئلاً.إن دعاني أجبته،وإن سألني أعطيته،وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله العجب،ويفسده،وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه إلاّ بالغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك،وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالسقم،ولو صححت جسمه لأفسده ذلك،وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالصحة،ولو أسقمته لأفسده ذلك.. إني أدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم أني عليم خبير”.




