أهمية النقد في الأدب العربي

سفيان حكوم /المغرب
النقد في كثير من الأحيان يعتبر الوجه الآخر للابداع الأدبي ، بعض فلاسفة الأدب يتحدثون عن النقد باعتباره العملية التحليلية او التفكيكية للعمل الأدبي الذي هو تركيب خالص ، والبعض يعتبره قراءة متخصصة تعين القارئ على استيعابه الأدب وهناك الكثير من الآراء التي يمكن استخلاصها من قراءة الكتب التي تبحث في الأدب وفنونه.
ولكن النقد الأدبي أعمق من ذلك أنه معالجة لما يكتبه منشئو الأدب ، كيف يفكرون وكيف يعبرون بغرض استمالة قرائهم في ذوقهم الأدبي والى ميولهم النفسية والعقلية والى رؤيتهم للحياة ، والنقذ الجيد يربط الأعمال الأدبية المختلفة بعضها ببعض لمحاولة اكتشاف دوافع هذا الابداع والظروف التي ينطلق منها ، ومستوى الذوق العام ، وكيف يبدع العقل العام خيالاته واحلامه وتصوراته .
والنقد يتطلب ثقافة واسعة لأن الناقد لايستطيع ان يميز الأعمال الأدبية الجيدة من الرديئة مالم يكن قد وصل الى درجة من النضج المعرفي والثقافي تسمح له بذلك ، ولعله لهذا تأتي محاولات النقد متأخرة عن مجايلات الابداع . وليس من الضروري ان يتفرغ الكاتب للنقد او للأدب الانشائي ، فالواقع أن أعظم النقد اتى من الكتاب المبدعين العظام ، وأغلب نظريات النقد الأدبي وضعها مؤلفو الأدب من تولستوى وتشيكوف الى ت.س.اليوت وبيرتولد بريخيت ، وجان بول سارتر وغيرهم ، وحتى علماء اللغة والاجتماع الذين حاولوا أن يبحثوا في قواعد الابداع ودوافعه كانوا كتابا جيدين في ميادينهم البحثية . وبدايات تثير موضوع النقذ الأدبي لأنها لا تتلقى الا القليل جدا منه ، وهذا القليل يقلد مقالات النقد السطحية التي تنشرها الصحف والمجلات ، بينما الحركة الثقافية الناهضة تقوم على اكتاف شباب يؤلفون وينتقدون انفسهم. وكاتب القصة الجيد هو ناقد جيد ، لأن الناقد الكامن في كل كاتب هو الذي يوجهه الى الجماليات البالغة الرقة والأناقة ، وهو الذي يعرف الجيد من الرديء ، وهو الذي يمزق او يلغي ماكتبه الكاتب ليجعله يكتب من جديد .
هدا الناقد الكامن هو الذي يجوس في الكتب ويكتسب الحساسية الجمالية المرهفة ، ويتعرف على كل ماهو جميل وحسن التأثير في تراث الابداع البشري ، يعرف ماهو موضة عابرة ، وماهو اصيل ، ومع التدريب تتحول موهبته في التمييز بين الجيد والرديء الى علم وأصول.
ولذلك تتمنى بدايات ان تتلقى من كتابها الشبان كتابات نقدية الى جانب القصص والأشعار ، حقا هناك انواع عديدة من النقذ وخاصة تلك المقالات التي تعنون عادة تحت هذا العنوان الخطير ” دراسات نقدية ” ولكننا نريد نفذا بسيطا جميلا وذكيا ومتواضعا ، يحب القراءة ويفرح بالأدب الجيد ويستمتع به ، ويشعر بالامتنان نحوه لما منحه اياه من سعادة.
مع مرور الوقت يعرف الكاتب الناشئ هذه التجليات العظمى ، وفي النقد الجميل متعة لا تقل عن متعة الأدب الإنشائي ، ومن يقرأ مقالات يحيى حقي النقدية يحصل على نفس المتعة التي يحصل عليها من قراءة قصصه وحبذا لو خاض تجربة النقد كتابنا الناشئون فانها خطوة ممتازة على طريق الأدب .



