جموع بشرية مهيبة تناصر دماء القادة وتتوعد المجرمين بـ”الإبادة”

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
جمع بشري مهيب يُمثّل الفسيفساء العراقية، ملأ قلب بغداد النابض عشية الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد قادة النصر، تعبيراً عن الوفاء لدماء سالت على منحر الحرية التي ينعم العراقيون بها اليوم، وتذكيراً لمريدي “محور الشر” بأن الانتقام أصبح قاب قوسين أو أدنى منهم.
وعلى وقع هتاف: “يا كاظمي يا جبان يا عميل الأميركان”، وهتافات ثورية أخرى صدحت بها حناجر أنصار المقاومة الإسلامية، في ساحة التحرير والمناطق المحيطة بها، أوصلت رسالة بليغة إلى من نفذ وخطط ودبّر جريمة اغتيال القائدين الشهيدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس.
ففي فجر يوم الجمعة الموافق (3 كانون الثاني 2020)، استفاق العراقيون على فاجعة حقيقية أدمت قلوب الملايين منهم، بعدما نفذت طائرة أميركية مسيرة هجوماً صاروخياً على رتل كان يقل الشهيدين سليماني والمهندس قرب مطار بغداد الدولي.
وأثارت هذه الجريمة التي نفذت بأمر مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ردود أفعال غاضبة نظراً للمكانة الخاصة التي كان الشهيدان يحظيان بها بين العراقيين، لاسيما أنهما قادا معركة وجودية كادت أن تُسقط بلاد الرافدين بيد جماعة إرهابية بربرية، عملت على سفك دماء أبنائها على مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي بقي متفرجاً فترة طويلة.
ونتيجة لذلك، صوت مجلس النواب العراقي خلال جلسة استثنائية عقدها في الخامس من كانون الثاني الماضي، على قرار يُلزم الحكومة بالعمل على جدولة إخراج القوات الأجنبية من العراق، ومنعها من استخدام أرض البلاد وسمائها ومياهها، لتنفيذ أية أعمال عدائية تجاه دول الجوار الجغرافي، إلا أن الولايات المتحدة ما زالت تراهن على التسويف والمماطلة، بل تعدت ذلك بكثير حتى باتت تسيطر على أجواء العراق.
وحظي القرار البرلماني الحاسم، بدعم شعبي كبير تمثل بتظاهرات مليونية غاضبة، طالبت بـ”طرد الاحتلال” لاسيما بعد عملية الاغتيال الغادرة.
وبعد مرور عام على الفقد الكبير الذي أحدثته جريمة المطار، نظّم العراقيون بمختلف مذاهبهم وقومياتهم، تظاهرة مليونية حاشدة غصّت بها ساحة التحرير ومحيطها لتعلن بشكل رسمي أن الشهيدين سليماني والمهندس هما رمزان قد خلدا في ضمائر العراقيين رغماً عن أنف الراقصين على دمائهما.
وبمناسبة الذكرى الأولى لاستشهاد قادة النصر، ألقى الأمين العام للمقاومة الإسلامية كتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي كلمة جاء فيها: “حضورنا اليوم في الميدان هو رسالة تفويض أَنْ عَجِّلُوا بالثأر ولن نسمح لأحد أن يعبث بسلاحنا المقدس”، مؤكداً أن “حضورنا اليوم في الميدان هو بيعة لله ورسوله والمؤمنين المقاومين، كما أنه رسالة تفويض أن عجلوا بالثأر فدمنا ما زال يغلي”.
وفتحت السلطات العراقية، تحقيقاً في جريمة المطار لمعرفة ملابساتها والجهة التي عمدت إلى “التآمر” مع إدارة ترامب، وإعطاء الإحداثيات الدقيقة عن وقت قدوم الشهيدين وتحركهما من مطار بغداد الدولي، قبل أن تنفذ الولايات المتحدة هجومها الغادر.
وعلى الرغم من عدم صدور النتائج حتى الآن، جراء ضغوط أميركية كبيرة، إلا أن أصابع الاتهام أشارت نحو الكاظمي الذي كان في حينها رئيساً لجهاز المخابرات العراقي، والذي يتولى حالياً رئاسة الحكومة بعد المناورات السياسية التي أجرتها واشنطن بالتنسيق مع أطراف “عراقية”.
وفق ذلك قال الحميداوي “لن ندخل اليوم إلى سفارة الشر، ولن نطيح بهذه الحكومة، فما زال في الوقت مُتّسعٌ”، مستدركاً: “سنحفظ عهدنا مع قادة النصر بالثبات على طريق العزة والإباء، وسنكون بعونه تعالى ألف سليماني وألف أبو مهدي، والعاقبة للمتقين”.
وتابع أن “سلاحنا أكثر ضبطاً وتنظيماً من أرقى الجيوش والمؤسسات العسكرية على مر التأريخ، وهو أكثرها شرعية وعقلانية، وسيبقى بأيدينا إلى أن يشاء الله، ولن نسمح لأحد -كائنا من كان- أن يعبث بهذا السلاح المقدس الذي حفظ الأرض والعرض وصان الدماء”.
وتعليقاً على التظاهرة المهيبة والتنظيم العالي الذي شهدته، يقول المحلل السياسي صباح العكيلي لـ”المراقب العراقي”، إن “جريمة الإدارة الأميركية باستهداف قادة النصر، تمثل علامة فارقة بتأريخ المقاومة”، مبيناً أن “الشهداء القادة كان لهم الفضل الكبير في القضاء على الصنيعة الأميركية داعش”.
ويضيف العكيلي أن “الموقف الشعبي عبر عن رفض التواجد العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، وهذا الصوت الوطني المشارك في التظاهرات المليونية جاء للضغط على الحكومة وإلزامها بتطبيق قرار البرلمان بإخراج كامل القوات الأجنبية من العراق”.
ويؤكد أن “هذه التظاهرات مثّلت كل طوائف الشعب العراقي وهذا الموقف الموحد هو تعبير عن الاعتزاز ورد جميل للقادة الذين وصفتهم المرجعية بقادة النصر”.
ويردف العكيلي قائلاً: “يبقى نصب أعين المقاومين، أخذ الثأر من الإدارة الأميركية”، معتبراً أن “أقل ثأر لهذه الدماء هو خروج القوات الأميركية من العراق، وكشف نتائج التحقيق باغتيال القادة ومحاسبة الجهات المتورطة”.
وبالتزامن مع الصرخات المنادية بكشف المتورطين في جريمة اغتيال القائدين الشهيدين سليماني والمهندس، ثمّة حراك سياسي ودولي عالي المستوى، لعرقلة إعلان نتائج التحقيق ومنح المشاركين فيها، “صك غفران” تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها المتواطئين في الجريمة التي أفزعت العالم.
وهيأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب آنذاك، “ذرائع واهية” تمهيداً لتنفيذ جريمتها النكراء باغتيال القادة الشهداء، الذين كانت لهم صولات كبيرة في إحباط المخططات الصهيو أميركية في العراق والمنطقة.
وتذرعت إدارة ترامب حينها بأن عملية الاغتيال جاءت رداً على هجوم وقع في (27 كانون الأول 2020) داخل قاعدة “كي-وان” الأميركية في محافظة كركوك، وأسفر عن مقتل متعاقد عراقي-أميركي، ورغم ادعاء المحققين الأميركيين بامتلاكهم أدلة على مسؤولية فصائل المقاومة العراقية عن الهجوم، إلا أنهم لم يقدموا أيَّاً منها على الملأ، ولم يشاركوها الحكومة العراقية.
ووفقاً لأدلة طرحتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، يبدو كما لو أنَّ ترامب ومستشاريه قد قرَّروا خطةً واسعة النطاق لمهاجمة فصائل المقاومة الإسلامية في العراق سلفاً، وكانوا يتحيَّنون أيَّ حدث استفزازي، لاستخدامه ذريعةً لتنفيذ الخطة. وقد أتاح الهجوم على قاعدة كي-وان هذه الذريعة لهم، مع أنَّهم لم يتمكنوا من تقديم أي دليل على أن فصائل المقاومة هي التي نفَّذته.



