ثقافية

«التوأم» المفارقات الاجتماعية والأحاسيس الملتبسة

المراقب العراقي/ متابعة

تعالج رواية التوأم للمغربية فاتحة مرشيد مواضيع متعددة تتناسل عبر المحكي، وتتوالد من بين كوات الحكاية الإطار، ونوافذها المشرعة على حكايات صغيرة، لتنميها، وتطورها، وتعقد مسارات شخوصها، وتغذي حبكاتها، وقد تضمنت هذه الرواية عدة قضايا، عالجتها بأسلوب تناوبي، وهي وإن اختلفت عن بعضــــها من حيث الأســـئلة والجوهر، فإنها تتلاقى من حيث ارتباطها بالحكاية المركزية التي تتحدد في مقولة «التوأم» التي يبئرها كلّ من الغلاف والعنوان، والتي ستصبح في المحـــكي الروائي توائم عدة مرتبطة في ما بينها بمصـــائر متقاطعة، وحيــــوات متشابـــهة، فبتأملنا لتحولات المتن من فصل لآخر؛ نجد عددا من التوائم الحقيقية والمفترضة، التي تفصح عنهم الرواية بالتدريج: (مراد، العامل الذات في الرواية، ومنير، نادية زوجـــة مراد، وحبيبته نور، وائل وجاد…

ولعل هذا التركيز على التوأم ليس اعتباطا من الرواية، بل هو نحت في الخصوصية الاجتماعية والنفسية للتوأم باعتبار العلاقة الخاصة التي تربط بينهما كفردين لهما حاجات ومكونات متشابهة وأحيانا متطابقة، لكن التركيز على موضوع التوأم، على الرغم من أهميته، لم يكن تركيزا قويا بحيث يسلط الضوء على مختلف الأبعاد التي يطرحها الموضوع سيكولوجيا واجتماعيا وبيولوجيا، بل سرعان ما تنصرف عنه الرواية إلى مواضيع أخرى، فهو ليس سوى موضوع مساعد يصب في مجرى إضاءة الموضوع الأساس.

اختارت الكاتبة هنا، أن تمنح مفاتيح الحكي لراو رئيس يساهم في الأحداث، ويقوم بدور السرد في الآن نفسه، ويتعلق الأمر بشخصية مراد الذي يحكي كل تفاصيل العالم الروائي، باعتباره الشخصية المحورية التي تنبثق عنه باقي الشخصيات التي لا أهمية لها في الحكاية إلا بما تضيء به حكايته، وهو وإن كان يستأثر بالحكي، فهو غالبا ما يترك فسحة للشخوص الأخرى للقيام بسرد حكايتها الخاصة عن طريق البوح والحوار، إنه يستدرجها بأدواته الخاصة كي تحكي ما يريد لتسير القصة في خطها المسبق التصميم خدمة للموضوع الأساسي.

ويكاد ضمير المتكلم هنا، يكون موجها تنظيميا للخطاب الروائي، فهو يساجل، ويبوح، وينظم العلاقة بين الشخصيات، ويرتب الأحداث، ويصف الأمكنة والأزمنة، بما يراه ملائما، وكأنه الصورة المقنعة التي يتخفّى وراءها الكاتب الفعليّ. وكلما شارفت عقدة النص على الحل، يفتح كوة جديدة لتتنفس القصة الصعداء، وتتعقد من الجديد، من خلال إقحام شخصية جديدة تنمي الحكاية الإطار وتغذيها.

يبدو انغماس الراوي المشبع بنكهة واقع آخر غير القاع الاجتماعي، في جوانيات محكي الطبقة المثقفة الممثلة للنخبة، كبيرا حد التماهي، إلى درجة أنه يعرف التفاصيل الدقيقة حول هذا العالم، ويعرف أسئلة أهله، ومطامحهم، ومشاكلهم التي تبدو أحيانا، غريبة عن هواجس المجتمع السفلي، إن لم نقل، تبدو تافهة، وربما أفادت هذه الرواية، وكل أعمال فاتحة مرشيد، في إضاءة هذا العالم المتحصن في برجه العاجي، ووجدت الخيط الناظم بين الطبقتين «العليا» و«السفلى» بحثا عن سبل التلاقي والتقريب بين الرؤى والأسئلة التي هي في نهاية المطاف أسئلة كل إنسان، وفي تقاطع كل الجغرافيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى