“خدعة” أميركية تُضلّل العراقيين وتقطع آخر سبل التهدئة

المراقب العراقي/ المراقب السياسي…
ما تزال الولايات المتحدة، منذ تشكيل أول حكومة بعد التغيير إلى اليوم، تهيمن على القرار السياسي في العراق، وتظهر تلك التدخلات بشكل جلي خلال الأزمات أو المتغيرات التي تجري على الساحة، عبر التصريحات التي تدلي بها شخصيات رفيعة المستوى في واشنطن، أو من خلال تحركات سفيرها في بغداد أو البيانات و”الرسائل” التي تصدر من قبل السفارة، والبعض الآخر منها “خفي” تمرره عبر بعض الاطراف السياسية التي تتماهى معها من أجل الحصول على مكاسب أو مناصب.
ودفع العراقيون ثمناً باهضاً جراء تلك الهيمنة، التي أطاحت بكل حلم لبناء “العراق الجديد”، بعد أن دمّرته إدارة حزب البعث الصدامي المقبور، على مدى نحو أربعة عقود. ولعلَّ أبرز مظاهر الهيمنة الأميركية، تتمثّل بالتواجد العسكري الذي بات يهدد بإشعال فتيل حرب شعواء تهدد مستقبل العراقيين، حسبما يرى مراقبون.
وفي هذا السياق، نشر فريق موقع “ميدل إيست آي” في واشنطن، أمس الاثنين، مقالاً موسعاً عن مشروع قانون الدفاع الوطني الأمريكي والذي يتضمن إنفاقا دفاعيا بقيمة 740 مليار دولار للعمليات الخارجية في الشرق الأوسط من بينها تخصيص 645 مليون دولار لـ”العمليات الأمنية” في العراق.
وأوضح المقال، أن “إقرار مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيين بأغلبية ساحقة مشروع قانون الإنفاق الدفاعي بقيمة 740 مليار دولار نكايةً في الرئيس دونالد ترامب، ما يمهد الطريق لاختبار الولاء بين المشرِّعين الجمهوريين إذا استخدم الرئيس ترامب حق الفيتو المتوقَّع.
ويتضمن قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA) بندًا يحظر أي تخفيضات في عدد القوات في أفغانستان وكوريا الجنوبية وألمانيا دون مبررات كافية، ويستلزم من الرئيس إصدار عقوبات ضد تركيا بسبب شرائها نظام دفاع صاروخي روسي الصنع.
ومن جانبه، قال ترامب إنه يريد سحب القوات الأمريكية من الدول الثلاث السابق ذكرها، ويرفض أيضًا فرض عقوبات على تركيا، من بين قضايا خلافية أخرى.
ويعارض ترامب بشدة مشروع القانون الذي أُقِرَّ بأغلبية 335 صوتًا مقابل 78 في مجلس النواب يوم الثلاثاء، ثم أقرَّه مجلس الشيوخ يوم الجمعة بأغلبية 84 صوتًا مقابل 13 صوتًا. وقد يحظى مجلس النواب بما يكفي من الأصوات لتجاوز الفيتو الرئاسي”.
وبشأن العراق، فإن مشروع القانون يطالب بمئات الملايين من الدولارات للعمليات الأمنية في صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم داعش (CTEF)، بما في ذلك 645 مليون دولار للعمليات الأمنية في العراق، و200 مليون دولار إضافية لسوريا، والتي ستخصص للأنشطة المتعلقة بمكافحة وجود داعش في كلا البلدين.
ومنذ إعلانه هزيمة داعش في 2018، قال ترامب مرارًا وتكرارًا إنه يخطط لسحب الوجود العسكري الأمريكي من الشرق الأوسط، إلا أن ادعاءاته كانت هواءً في شبك، سعى من خلالها إلى تضليل الرأي العام الدولي.
كما قال الجيش الأمريكي في أيلول الماضي إنه سيسحب 2.200 جندي من العراق تاركًا 3 آلاف فقط. وأضاف الجيش في وقت لاحق أنه سيسحب 500 جندي إضافي، لكنه لم يفِ بتعهداته حتى الآن، ما يؤشر وجود نوايا أميركية لتحقيق بقاء عسكري طويل الأمد في العراق، قد يُمهّد لـ”معارك طاحنة” مستقبلاً.
بدوره يقول المختص بالشأن الأمني صباح العكيلي لـ”المراقب العراقي”، إن “كل المعطيات والتحضيرات وتحركات القوات، تدل على أن الولايات المتحدة غير راغبة بالانسحاب من العراق، وهي تسعى لذلك من أجل ضمان مصالحها في المنطقة”.
ويؤكد العكيلي أن “الولايات المتحدة لن تخرج من العراق خالية الوفاض، ولابد أن تضمن مصالحها”، معتبراً أن “الحديث عن الانسحاب أو تقليل أعداد القوات، هو ذر الرماد في العيون، ولا يعدو عن كونه إعادة تموضع داخل الأراضي العراقية”.
وفي سياق متصل، يضيف العكيلي أن “هناك معطيات تشير إلى وجود مساعٍ لخوض مواجهات عسكرية، واستهداف القوات الأمنية والحشد الشعبي”، منوهاً إلى أن “أميركا قد تسعى إلى استهداف قيادات بالحشد والمقاومة الإسلامية”.
جدير بالذكر أن مجلس النواب العراقي، صوت خلال جلسة استثنائية عقدها في الخامس من كانون الثاني الماضي، على قرار يُلزم الحكومة بالعمل على جدولة إخراج القوات الأجنبية من العراق، ومنعها من استخدام أرض البلاد وسمائها ومياهها، لتنفيذ أي أعمال عدائية تجاه دول الجوار الجغرافي، إلا أن الولايات المتحدة ما زالت تراهن على التسويف والمماطلة، بل تعدت ذلك بكثير حتى باتت تسيطر على أجواء العراق.
وحظي القرار البرلماني الحاسم، بدعم شعبي كبير تمثل بتظاهرات مليونية غاضبة، طالبت بـ”طرد الاحتلال” لاسيما بعد عملية الاغتيال الغادرة التي نفذتها طائرة أميركية مسيرة قرب مطار بغداد الدولي في كانون الثاني الماضي، وأسفرت عن استشهاد قادة النصر.



