ثقافية

عبد الوهاب البياتي .. شاعر التعبير الوامض والفكرة الواضحة والعقلانية والصورة اللماحة

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يعد الشاعر عبد الوهاب البياتي ثالث ثلاثة من رواد الشعر العربي الحديث لكن المتابع للمشهد النقدي في العراق يلمس ندرة أو تجاهل النقاد لتجربته الشعرية وأثره، وتأثيره في المشهد الشعري العراقي الحالي بشكل خاص.ما السبب وراء ذلك؟ (المراقب العراقي)  التقطت أراء بعض النقاد والشعراء العراقيين وخرجت بهذه الحصيلة:

تقول الناقدة نادية العزاوي :بعد موت الشاعر، أي شاعر، تنهض أسئلة النقد النوعيّة الخطيرة: هل سيُكتَبُ لشعره البقاء؟ ما أسباب البقاء أو الزوال؟ وماذا سيبقى منه وكيف؟ إنه يمكن لنا أن نختلف في مكانة قصيدة البياتي بالمنظور النقدي الخالص، وبمعزل عن الموجّهات والاعتبارات الخارجة عن منطق القصيدة الفني، وبالقياس – مثلاً – إلى شعر زميليه: السيّاب بحمولة شعره الرمزيّة والأسطوريّة، ونازك الملائكة بثقل القضايا الوجوديّة الكبرى في قصائدها، اللذين ما زالت قصائدهما محوراً لكثير من الدراسات والمقالات، وبما يؤكّد حضورهما الحي في الساحة الأدبيّة، أما مكانة البياتي فقد صنعتها عوامل متنوعة، بعضها مرتبط بخصوصيّة قصيدته شكلاً ومضموناً، وبعضها الآخر ظروف شخصيّة مساعدة: سياسية واجتماعية وإعلامية.

واضافت: إن قصيدة البياتي صنعتْ بريقها من ملمحين أساسيين، هما: «توظيف أقنعة المتصوفة والثوار في الصراع الثنائي، الذي تسيّد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين: بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي… وعنايتها بقصيدة المشهد اليومي المفعم بهموم البسطاء والمقهورين والعمال والفلاحين، والمشهد السياسي المواكب للثورات والانقلابات، والتعبير عنها بلغة مباشرة بل وشعاراتية أحياناً، فكانت تتألّق حيناً، أو تسقط إلى هاوية الجفاف حيناً آخر.

وختمت :هل فقدت قصيدته تأثيرها في الأجيال الجديدة؟ وهل غابت امتداداتها في التجارب الجديدة، فتضاءل الاهتمام بها؟ في ظني لا ليس تمام الغياب، ولكنّ كثيراً من عناصرها، التي قامت عليها، وربما نجحت في خضمّها، وفي مناخ سياسي وفكري معين حرص البياتي على الدوران في فلكه، وربْط شعره به، لم تعد تجد تمثلاتها عندهم، في عالم تسوده صراعات من نوع آخر، وتتسيّد فيه رؤى مغايرة، وتتشكّلُ فيه ذائقة مختلفة كلّ الاختلاف.

الناقد علي الفواز يقول : ما مدى ثنائية الثورة والمدينة، على شكل القصيدة التي كتبها، أو على مضمونها؟ وما علاقة ذلك بمفهوم الريادة الشعرية التي حولها النقد العربي إلى «سجن» تاريخي لعدد من الشعراء العراقيين..

واضاف :إن انحياز البياتي للثورة جعله أكثر اقتراباً من القصيدة النشيد، وأكثر تمثيلاً «لأدائها الغنائي، ولطبيعة جملتها القصيرة، ذي التعبير الوامض، وذي الرسالة المباشرة عن الفكرة الواضحة والصورة اللماحة، وهذا ما يعني تخفيف العبء البلاغي عن القصيدة، والابتعاد عن الغلو في التقانة التعبيرية العالقة عميقاً بذاكرة القصيدة العربية».

وتابع :أن علاقة البياتي بالمدينة جعلته أكثر واقعية وخفّة في التقاط يومياتها، وتفاصيلها، وهويتها، والنظر إلى تحولاتها الشعرية، فضلاً عن نزوعه للاستغراق في تمثيل بعض شخصياتها التاريخية والمثيولوجية والصوفية، التي اقترن وجودها بمدينة بغداد، إذ يُعدّ البياتي في هذا السياق واحداً من أكثر الشعراء العرب تمثيلاً للقيمة التعبيرية والخطابية للمدينة، وهو ما جعل قصيدته أكثر اختلافاً عن قصيدة السياب التي ظلت الأقرب إلى الفخامة التاريخية، وإلى هواجس الشاعر «الريفي» في استغراقه التمثيلي، وفي قاموسه الصوري، وحتى في احتشاده البلاغي.

وتابع :إن مفهوم الريادة الملتبس لم يكن بعيداً – أيضاً – عن تجربة البياتي، «فرغم هيمنة السياب ونازك الملائكة على هذا الحدث الافتراضي، إلا أنّ تجربة البياتي ظلت لها خصوصيتها الشعرية، على مستوى تقديم البراديغم الشعري، أو على مستوى (سهولة) الفكرة الشعرية وبساطتها، والتي أثارت حوله لغطاً كثيراً، وكذلك على مستوى نظرته لمفهوم التجديد الشعري، ولفرادته في التعاطي مع هذا التجديد، عبر تقانة القناع، وتقانة شعرنة التاريخ، وشعرنة المدينة، وشعرنة النشيد بوصفه خطاباً للثورة، والرفض والتغيير والحرية…».

 

 

اما الناقد ماجد الحيدر فيقول:من الصعوبة «قياس» أثر شاعر ما (إن صح التعبير) على من بعده، خصوصاً في ظل قلة الدراسات المقارنة واستطلاع الآراء الفردية للأجيال الشعرية اللاحقة. ورغم أن البياتي قامة كبيرة أحدثت أثراً عميقاً في الشعرية العربية الحديثة، سواء من ناحية مساهمته في الثورة على القالب الشعري التقليدي أو في تبنيه المبكر لخطاب ثوري ينسجم مع طبيعة المرحلة والشعارات والمطالب السياسية والاجتماعية الملّحة فيها، لكنه لم ينل ما ناله زميله ومنافسه السياب (في مقارنة تفرض نفسها) من شهرة و«شعبية» وإقبال جماهيري واهتمام نقدي وأكاديمي.

واضاف :إن ذلك يعود برأيي إلى سببين، «الأول هو انسحاب البياتي من ساحة الشعر الذي يدغدغ أحاسيس الجمهور وقضايا الساعة (وهو عامل أساسي في تسويق الشاعر عندنا) نحو مناطق أكثر اقتراباً إلى العزلة والتأمل الفلسفي والاستخدام المكثف للرمز، وصولاً إلى الصوفية التي ظهرت ملامحها الأولى في وقت مبكر من تجربته، والثاني أن البياتي لم يثر الكثير من الجدل بتقلباته السياسية العنيفة، أو يستدر التعاطف مع مآسيه الشخصية (المترجمة شعراً) وصولاً إلى نهايته المحزنة المبكرة (كما حدث مع السياب). لقد ظل البياتي حتى النهاية شاعراً مهذباً، عقلانياً، أنيقاً، مسالماً (بالمعنى المجازي والحرفي لهذه الكلمات) في مفارقة للصورة النمطية للشاعر الذي يثير فضول الجمهور العربي، وتهتم به الدراسات النقدية والأكاديمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى