ثقافية

قراءة في رواية الخبز الحافي

خهجحخحجحخ

أحمد حميد
هي رواية تعدّ من أشهر النِّتاج الأدبي للكاتب محمد شكري. كتبت بالعربية سنة 1972 وترجمها إلي الإنجليزية بول بولز سنة 1973 وترجمها إلى الفرنسية الطاهر بنجلون سنة 1981 ولم تنشر بالعربية حتى سنة 1982، ترجمت إلى 38 لغة أجنبية.
الخبز الحافي هي الجزء الأول من سيرة محمد شكري الذاتية التي استغرقت ثلاثة من أهم أعماله فبالإضافة إلى هذا الكتاب هناك [كتاب زمن الأخطاء وكتاب وجوه]. صرّح محمد شكري أن فكرة كتابة سيرته الذاتية كانت بدافع من صديقه الكاتب الأمريكي بول بولز المقيم في طنجة وقد باعه إياها مشافهة قبل أن يشرع فعلا في تدوينها.ترجم الطاهر بن جلون مخطوطة الخبز الحافي إلى الفرنسية، ونشرتها دار ماسبيرو. واستقبل الكتاب بحفاوة من النقاد والقرّاء، وصار شكري كاتباً عربياً قبل أن ينشر كتابه باللغة العربية. “المخطوطة بقيت عشر سنين في ادراج مؤلفها، قبل أن ينشرها على حسابه الخاص في المغرب. وبعد ذلك دخل الكتاب في النسيج الأدبي العربي المحدث، حيث اجتمع الإعجاب الشديد بالرفض والقمع والمنع، بحيث غلبت حكاية الكتاب على الكاتب نفسه”.أثار هذا العمل ضجة ومنع في معظم الدول العربية إذ عدّه منتقدوه جريئا بشكل لا يوافق تقاليد المجتمعات العربية. لا يزال الكتاب ممنوعا أو شبه ممنوع في اكثرية الدول العربية.
تحكي الرواية مأساة إنسان أبت ظروفه إلا أن يبقى في ظلمات الأمية حتى العشرين من عمره فكانت حداثته انجرافاً في عالم البؤس حيث العنف وحده قوت المبعدين اليومي، في بيئة مسحوقة خاضعة تحت وطأة الاستعمار وما ينتج عنه من انتشار الفقر والجوع والجهل والأوبئة، الأكل من المزابل وطقوس الشعوذة مثل حادثة شرب الدم بقصد التداوي، حيث كانت أم بطل الرواية تلجأ إلى “الشوافات” وتشعل الشموع على أضرحة الأولياء بقصد التقرب إلى الله لكي يخرج زوجها، واضطرت امه إلى بيع الخضار والفواكه في اسواق المدينة بينما كان شكري يقتات من مزابل الأوروبيين النصارى الغنية لا مزابل المغاربة المسلمين التي كانت فقيرة حسب قوله. تعايش الصبي من خلالها بأفراد وجماعات منحرفة أخلاقيا.
ترعرع بطل الرواية وسط أسرة كان دور الأب فيها ظالما وقاسيا، يتعاطى المخدرات ويسب الإله. العنف الذي نشأ فيه الابن، يفضي إلى تدميره روحيا وقيمياً وأخلاقيا، ويجعله رافضاً سلبياً لنظام الأسرة التقليدي، الذي يتموضع الأب في قمته. ويسعى الكاتب بذلك إلى تدمير مكانة الأب الرمزية، وتحطيم سلطته التي تعد سبب شقائه، فكان يشعر بعدم الرضاء من ضحكات أمه مع أبيه. “اللعنة على كل الآباء إذا كانوا مثل أبي”، “أكره الناس الذين يشبهون أبي”.
كرهه الشديد لأبيه دفعه إلى استبدال مجتمعه الذكوري بآخر نسوي وتولد لديه نزعة للعنف والانتقام “في الخيال لا أذكر كم مره أقتله” ، وحين ضُرب والده أمامه كان هذا المشهد عزاء له.وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدما استولى الجنرال فرانكو على الحكم في إسبانيا – والده كان جندياً مسرحاً من جيش فرانكو – نزح هو وأهله (والدته ميمونة ووالده حدو بن علال وأخوه عبد القادر) وبسبب المجاعة، إلى طنجة التي كانت ترتع بالأجانب والجواسيس، المدينة ذات الثقافات المتنوعة والمكان الوحيد الذي أخلص له ورفض أن يغادره، ومات فيه.
فحياته البائسة وطفولته التي عاشها متشرداً في طنجة بعد أن قدم من الريف، مما جعل منها وثيقة اجتماعية تعكس الحالة التي كانت تمر بها المغرب، خلال مرحلة الأربعينات من القرن الماضي.
“أبكي موت خالي والأطفال من حولي . يبكي بعضهم معي .لم أعد أبكي فقط حين يضربني أحد أو حين أفقد شيئاً .
في الصفحات الأولى من رواية (الخبز الحافي), أعلن محمد شكري عن موقفه الكاره لأبيه والرافض لأبوته. لم يأت ذلك إليه من موقف ذهني أو أخلاقي بل من تعبيرات كراهية متبادلة بدأها الأب بركل إبنه وسبّه وضربه. بل إن الإبن محمد شكري لا يجد حرجاً في الاعتراف، أمام قرائه أجمعين، بأن أباه قتل أخاه عبد القادر. الأم التي كانت، مثل أولادها ضحية وحشية الأب.
“ابي وحش. عندما يدخل لا حركة، لا كلمة إلا بأذنه كما هو كل شيء لا يحدث إلا بإذن الله كما سمعت الناس يقولون.
يضرب امي بدون سبب أعرفه”.
يكتب شكري “أنا تعلمت بطريقة عشوائية، وهذا معناه أنني لم أتعلم بطريقة أكاديمية، ومستواي التعليمي لا يتعدى أربع سنوات وبضعة أشهر”. هنا نجد صراحة لدى محمد شكري و كانه يفخر بأميته، وتأخره عن الالتحاق بصفوف الدراسة أسوة بمجايليه.
واشار إلى علاقته الأولى بالحروف عندما سلم مدير المدرسة رسالة توصية من أحد الأصدقاء، وأجابه المدير: “آسف، لا أستطيع قبولك في هذه المدرسة”، فرد عليه شكري: “لكن أفضل أن أدرس، لقد كرهت ما كنت أعمله في طنجة”، يسأله المدير “كم عمرك-عشرون سنة.. آسف إن القسم الدراسي الذي تستحقه يدرس فيه أطفال وأنت لك لحية”.
بالرغم من شيوع هذه الحقيقة التي كان يتباهى شكري بها كدليل عن قدرته العصامية على تعليم نفسه بنفسه لكي يكون نموذجا تحتذي به فئة عريضة من المهمشين، ومن يعيشون مثله في عوالم الشقاء السفلي. أليست الشيخوخة هي نوعاً من طفولة ثانية كما قال أدونيس..؟.محمد شكري العاشق للحياة بشتى أطيافها وألوانها ولذاتها ومتعها كان يكره الشيخوخة التي تذكره حتما بالموت.الموت الذي كان يكرهه شكري بكل ما تحمله الكلمة من معنى.هكذا عبر عنه في روايته “أنا لا أخاف الموت بل أخاف الطريق الذي نسلكه إلى الموت”.يتوقف الكاتب على التوخم بين الاستسلام إلى شيخوخة التي تفرض نفسها، والانتماء إلى طفولة مؤبدة.من ضمن القضايا الرئيسة التي تعرض لها محمد شكري في روايته هي “المراة ” التي اخذت حيزاً كبيراً في بحبوحته السردية، ليستعرض لنا مفهمومه عن المراة بعد تجارب عدة خاضها المؤلف:”مزاج المرأة صعب الفهم، حين يعتقد الواحد في امرأة أنها ستسبب له مصيبة إذا بها تُنقذه. حين يعتقد أنها ستنقذه ربما تقوده إلى مصيبة، الإنقاذ والهلاك متوقفان على مزاجها”. ويخرج لنا بتوصيفٍ آخر للمراة، التي يعبر عن ذاتها المفكرة و الحذرة بـ”الشيطنة”، وذلك نتيجة لعبثية الكاتب او فطرته السليمة القائمة على اساس التعامل مع الاخر دون التفكير المسبق، فهو يصف نفسه (الانسان او الرجل) بالمؤمن البريء في التعامل مع المراة والاخيرة ما هي إلا شيطان، نتيجة تصرفاتها المدروسة في التعاطي معه ” “الإنسان، وحيداً قدّيس، ومع امرأة شيطان”. المعاناة المتلازمة للروائي جعلته، يتلبس حالة اليأس دائماً، وعلى منوال الحياة، وما أن رأى سعادة عدها بداية النهاية لحياته الحزينة، لكن ما أن يلبث فيها قليلاً ويعود مرة اخرى حزيناً منكسراً نتيجة استلاب تلك السعادة منه.”هذه هي حافة السعادةِ إذن: إنّها لا تحط على الكتف وتغرّد، إنها تظل على حافة الشرفة”.نلاحظ في الرواية مسارين متناقضين لدى الكاتب، وهذا خاضع لمزاج النفس اثناء (الكتابة او سيرة شكري)على عدّ الرواية هي سيرة ذاتية لمحمد شكري، إذ تجد الانكسار يغلب على معظم محتوى النص المطروح، ولكنه يضع ثمة بصيص من الامل، لاشاعة الحياة مرة اخرى دخل النفس المنكسرة. “لا تنسـوا أن لعبة الزمن، لعبة أقوى منـا, لعبة مميتة هي, لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا.. لِإماتتنا : أن نرقص على حبال المخاطرة نُشداناً للحيـاة”. ويستعرض محمد شكري ايضاً ““في بلاد المواعيد يموت الإنسان جوعاً”. الانسان المقصود في لغة شكري هو الفقير والمنبوذ والمتسكع، الباحث عن بلادٍ كريمة تسد معظم حوائجه البسيطة، لكن امله ببلاده كلفه الكثير ولا سيما الموت جوعاً وهو ينتظر من الاشياء الموعودة التي تنهض بذاته اليائسة نحو الحياة المنفرجة والفِرحة.نجد في هذا النص، عراء واضح للسلطة القائمة على بلاده، لاسيما وهو يكشف عن آلمه وغيره من الناس، جراء تهميش السلطة لهم، وجعلهم يرزحون تحت الفقر المدقع. يحكي شكري عن مستنقع “البؤس” الذي غاص فيه طوال عشرين سنة، ووصف القاع السفلي للمجتمع المغربيّ، بكل ما فيه من فقر وخوف وأمراض نفسية مستعصية وشذوذ وعهر وكدح، فهو لم يفعل ذلك من أجل التباهي بالكتابة عن مسكوت عنه، بقدر ما فعل ذلك ليرشد آخرين لا زالوا في هذا الدرك الأسفل من القاع نحو طريق الصعود. “يُخرج الحي من الميت. يُخرج الحيّ من النتن ومن المتحلِّل، يُخرجه من المتخم ومن المنهار.. يُخرجه من بطون الجائعيـن ومن صُلب المتعيّشين على الخبز الحـافي”.تعتبر رواية (الخبز الحافي) بأنها كانت علاجا، استعاد بها محمد شكري توازنه النفسي، لكن العديد من القراء لم يستسيغوا الأمر، لصراحة ما كتبه شكري، علماً انه الروائي العربي الوحيد الذي تمتع بقدر عال من الشفافية في ان يصّرح بكل شيء ولا يخفي اي شيء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى