شركات الإتصالات في العراق.. خدمات رديئة وأجور مرتفعة

“منذ 4 سنوات بت أمتلك ثلاث بطاقات اتصال لجميع شركات الموبايل في العراق وأنا مضطر لذلك بسبب سوء الخدمة بمجال معين لكل منها”، بهذه الكلمات يصف المواطن من مدينة الموصل “مصطفى جمال” وضع خدمات الهاتف النقال في العراق.
جمال الذي يبلغ من العمر 30 عاما ويعمل في شركة لنقل البضائع يتحدث عن مشكلة شبكات الاتصالات في البلاد، ويؤكد أن الخدمات التي تقدمها شركات الاتصال سيئة، وربما تتوفر خدمة واحدة يمكن الاستفادة منها، فعلى سبي المثال، إحدى الشركات تقدم خدمة أنترنت لابأس بها، و أفضل من غيرها، والأخرى لديها تغطية اتصال أفضل في مناطق معينة من دون أخرى، وشركة أخرى لديها عروض أفضل من الشركتين الأخريين.
قصة ”جمال“ واحدة من قصص الكثيرين ، الذين يشكون من غياب الرقابة القانونية، وقوانين حماية المستهلك في العراق، التي تنتهكها شركات الاتصال دون رادع، على حساب المواطن، الذي أمسى ضحية جشع هذه الشركات، ومع غياب البديل النوعي.
فمنذ أعوام وشركات الاتصالات في العراق تهدف إلى زيادة مبيعاتها، على حساب جودة الخدمة المقدمة، حيث بات عدد شرائح الهاتف النقال المباعة في العراق توازي عدد سكان البلاد بحسب مهندس الاتصالات “محمد شاكر” الذي يؤكد على أن شركات الهاتف النقال في العراق تعد من أسوأ الشركات على مستوى العالم، وأن العراقيين وبسبب سوء خدمة هذه الشركات اضطروا لشراء أكثر من شريحة اتصال.
ويضيف شاكر الذي يعمل في مركز تقني للمعلوماتية في العاصمة بغداد أن غياب الرقابة الحكومية وتبعية شركات الاتصال، جعلت منها شركات لا تستطيع الحكومة مواجهتها، الأمر الذي أدى إلى تراجع الخدمات شيئا فشيئا، وبالتالي يضطر العراقيون لاقتناء شرائح الاتصال من مختلف الشركات تلبية لاحتياجاتهم المكانية وظروف عملهم.
ليس من المعقول أن تستمر هذه الشركات بالعمل في البلاد وهي لا تقدم أي خدمات جيدة للمواطنين في ظل ارتفاع أجورها وامتناعها عن سداد ما بذمتها من ضرائب للدولة
سوء الخدمة
“خدمات سيئة ورديئة وإخلال بالوعود والعقود” بهذه الكلمات يصف عضو لجنة الخدمات النيابية “عدي حاتم” حال شركات الهاتف النقال في العراق، موضحا في حديثه أن جميع الشركات وهي آسيا سيل وكورك تيليكوم وزين العراق لم تفِ بشروط العقود المبرمة مع الحكومة ولم تلتزم بالمواصفات الفنية لتلك العقود في توفير الخدمات الاتصالية للعراقيين.
وأضاف حاتم أنه ليس من المعقول أن تستمر هذه الشركات بالعمل في البلاد وهي لا تقدم أي خدمات جيدة للمواطنين في ظل ارتفاع أجورها وامتناعها عن سداد ما بذمتها من ضرائب للدولة، مؤكدا على أن الوضع المزرِ لهذه الشركات أجبر المواطن العراقي على اقتناء أكثر من شريحة كي يتمكن من التواصل مع ذويه وقضاء أعماله بسبب ضعف الشبكة في جميع المدن العراقية.
أما عضو اللجنة القانونية النيابية “حسين العقابي” فأكد في بيان تلقينا نسخة منه: “تابعنا بفخر واعتزاز الموقف المشرف الذي اتخذه القضاء العراقي إزاء ملف عقود تراخيص الهاتف النقال واصداره أمراً ولائياً بإيقافها لحين حسم الدعوة التي أقامها أعضاء مجلس النواب على خلفية قيام الحكومة بتجديد هذه العقود رغم السلبيات الكبيرة في أداء شركات الهاتف النقال وسوء خدماتها وتلكؤها في تسديد ما بذمتها من ديون”.
العقابي أضاف في بيانه أنه يأمل من القضاء في العراق عدم الخضوع للضغوطات وإصدار حكما حاسما بإلغاء تلك العقود استجابة لمطالب أبناء الشعب العراقي التي تصاعدت في الآونة الأخيرة رفضا للتجديد لتلك الشركات البائسة، بحسب نص البيان.
ويكشف مهندس البرمجيات “محمد عبد المنعم” والذي عمل في إحدى شركات الهاتف النقال حتى عام مضى عن أن جميع الشركات متشابهة في خدماتها، وأن كل شركة لا تؤمن تغطية للاتصالات لأكثر من 45% من مساحة البلاد، فضلا عن أن خدمة الإنترنت المقدمة سيئة للغاية وهي أقل من أن توصف بشكبات الجيل الثالث، إذ أن سرعة الانترنت وفي أفضل حالاتها لا تتجاوز 150 كيلو بت/ ثانية، فضلا عن اعتماد خدمة الانترنت على قوة التغطية الاتصالية وبالتالي أدى ذلك إلى أن يقتني العراقيون شريحتين وأكثر من أجل تلبية احتياجاتهم في الاتصالات.
ويضيف عبد المنعم في حديثه أن غالبية الدول النامية فيها شركات هاتف نقال تضاهي ما موجود في الدول المتقدمة، على اعتبار أنه ومن ناحية ربحية، فإنه كلما تحسنت الخدمة زادت الأرباح، إلا أن تبعية شركات الاتصال السياسية أدت إلى أن تكون الشركات الثلاث هي المتحكمة بقطاع الاتصالات من دون السماح لأي منافس بدخول السوق العراقي، على حد قوله.
سرقة بلا حدود
إرتفاع أجور الاتصال وخدمة الانترنت، فضلا عن سرقة الرصيد، أثقلت من كاهل المستهلك العراقي، حيث يؤكد المهندس “محمد عبد المنعم” ومن خلال اطلاعه على عمل شركات الاتصالات في باقي دول العالم، إن العراق يعد الأعلى في كلفة الاتصال فضلا عن ضياع رصيد المشتركين بخدمات وصفها بـ (الخادعة).
مشيرا الى” أن جميع الشركات تطرح مزايا وعروض مغرية في ظاهرها، سيئة في جوهرها، وبالتالي يتجه بعض العراقيين الى الاشتراك بهذه الخدمات، وبالفعل تفعّل لهم الخدمة خلال دقائق، إلا أنهم وعندما يكتشفون سوء العرض أو الخداع الذي تعرضوا له، فإنهم يحاولون إلغاء الخدمة أو الميزة، غير أن ذلك صعب للغاية، إذ أن جوهر عمل شركات الاتصال ينبغي أن يكون خط الزبائن متاح على مدار الساعة، وهذا غير متوفر في جميع شركات الاتصال في البلاد، ما يعني بالمحصلة أن الشركة تستمر باستقطاع أجور الخدمة من دون رغبة من الزبون، ومن دون مقدرته أو معرفته بالكيفية التي تلغى بها.
ويؤكد عبد المنعم أن جودة الاتصال سيئة، ما يؤدي إلى انقطاع الاتصال مرات عديدة خاصة في المناطق التي لا تحظى بتغطية جيدة، وهذا يعد أحد أكثر الممارسات شيوعا في سرقة المشتركين من قبل الشركات، كاشفاً، أن العائدات التي تحققها هذه الشركات لا تقل عن 4 مليارات دولار سنويا وبهامش ربح لا يقل عن مليار دولار.
أن سطوة الفاسدين جعلت من المستحيل على الحكومة أن تؤسس شبكة وطنية قوية أو أن تدعو شركات اتصال عالمية للعمل في البلاد
تبعية الشركات
يكشف مصدر مسؤول في وزارة الاتصالات العراقية عن أن جميع شركات الهاتف النقال في العراق تتبع جهات فاسدة في الحكومة، إذ أوضح في حديثه أن شركة كورك تيليكوم يمتكلها الحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما يحضى الاتحاد الوطني الكردستاني بنسبة كبيرة من أصول شركة آسيا سيل التي يقع مقرها الرئيس في محافظة السليمانية.
أما فيما يتعلق بشركة زين العراق، فأكد المصدر في حديثه على أن هذه الشركة ليست عراقية بالأساس وهي خليجية، غير أن الاكتتاب على أسهمها في العراق استحوذت عليه جهات فاسدة.
وعن سبب عدم تأسيس الحكومة لشركة اتصالات وطنية حتى الآن، كشف المصدر –فضّل عدم الكشف عن هويته -؛ عن أن وزارته كانت قد أسست بالفعل شركة هاتف نقال تحت مسمى الشركة الوطنية، لكن عملها لا يزال محدودا في بعض مناطق العاصمة بغداد وبعض الأحياء والمراكز التجارية في المحافظات، لافتا إلى أن تكلفة إنشاء شركة هاتف نقال باهض جدا ولا قدرة للوزارة على تحمل التكاليف، مقترحا أن تعمل الحكومة على دعوة مزيد من الشركات العالمية للعمل بمبدأ الاستثمار في قطاع الاتصالات الخلوية.أما الصحفي “عبد الله المولى” فأكد في حديثه بالقول: “سافرت للعديد من بلدان العالم ودول الجوار العراقي مثل تركيا والأردن وسوريا ومصر وبعض دول الخليج، واكتشفت أن العراق يعاني من أعلى تكلفة في الاتصال فضلا عن أسوأ خدمة”.
ويضيف المولى أن العراق يعد أسوأ بلد في الشرق الأوسط فيما يتعلق بشركات الهاتف النقال، مشيرا إلى أن الحكومة شريكة في الفساد الحاصل من خلال عدم إعمارها وتشغيلها لخطوط الاتصال الأرضي (البدالات) التي توقفت جلها عن العمل منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وبالتالي كان يمكن للعراقيين التواصل عبر الخطوط الأرضية عند التواجد في مكاتبهم أو البيوت، غير أن غياب الخطوط الأرضية منخفضة التكلفة ضاعف من أرباح الشركات على حساب المواطن العراقي.فمع انعدام الرقابة القانونية، وعدم وجود قوانين لحماية المستهلك، وغياب المنافسة الحقيقية، يبقى المواطن العراقي، ضحية لاستغلال شركات الاتصالات في العراق.




