حسن البحار يجيد رسم الشخصيات ويتلاعب بالواقعية منها ليجعلها اقرب إلى الخيال

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد حمدي العطار ان الروائي حسن البحار في روايته ” بحر أزرق.. قمر أبيض” يجيد رسم الشخصيات ويتلاعب بالواقعية منها ليجعلها اقرب إلى الخيالية .
وقال العطار في قراءة خص بها (المراقب العراقي) : ان حسن البحار يمتلك الادوات الفنية والخيال المناسب لتحويل (ادب الرحلات) الواقعي الى (راوية) فيها نسبة من الخيال اكثر من الواقع، عندما كان لي لقاء مع الروائي حسن البحار، وكنت راجعا من رحلتي الى السودان وانقل له ما رأيت من أشياء غريبة وعجيبة لا يمكن تصديقها! فورا قال لي اكتب رحلتك الى السودان على شكل (رواية) أضاف أجعل البطل (طفل) ! كيف يحدث ذلك وانا قد كتبت مشاهداتي وانطباعاتي عن الرحلة وانا في الخرطوم! وكانت تلك المشاهدات واقعية قد تحتوي على نسبة من الخيال الفني لغرض التشويق والاسلوب المناسب لعرض الحقائق والمعلومات والمواقف والاحداث والشخصيات بشكل درامي ، لكن الاطار العام يحكم سيطرته على الموضوع بواقعيته! اما حسن البحار اراد مني ان اتلاعب بهذه المعلومات والمشاعر والافكار والشخصيات لتكون على الاقل (نصفها واقعي والنصف الاخر من صنع الخيال) وهذا ما قدمه لنا حسن البحار في روايته (بحر أزرق..قمر أبيض) !
واضاف:ان السارد ينقلنا من اندونسيا وحبيبته البوذية(ريتا) الى سنغافورة وعلاقته الفاشلة مع (الفتاة القمحية) البشرة مطواعا لينة تحمل في وجهها الناعم ابتسامة تطل من عينيها السوداوتين، الى مواجهة العاصفة البحرية وهم في طريقهم الى سري لانكا بعد اجتياز البنغال (الرواية مليئة بالمعلومات الجغرافية التي تدس في السرد) وفي سريلانكا يبدأ التأمل على الرغم من ان الفكر والعقل مرهون عند ريتا الاندونسية ، وعن ميناء كولمبو العاصمة واكبر مدن سريلانكا يقول”مدينة جميلة رسمها الخالق على ظهر كوكب الأرض، ليعز بها أهلها المختلفين في الأديان والمعتقدات، متحابين يعملون كيد واحدة، لا تشوب حياتهم شائبة الأختلاف الأثني أو الطائفي..ينعموا بإقتصاد باهر نتيجة موقعها الجغرافي المهم ..تحيطها الغابات والجبال السوداء المنتصبة فوق أرض خصبة اشتهرت في إنتاج البن والشاي والمطاط والملابس والأحجار الكريمة”ص109 .
وتابع :تنطلق السفينة وهي بالبحر الابيض المتوسط من مصر الى ميناء جنوا الإيطالي عبر بحر التراني، السارد يشير الى ما تشتهر به المدن لكي تكون روايته ضمن ادب الرحلات ففي ايطاليا – جنو يقول عنها (لم أك أعلم هناك أرضا في هذا الوجود بهذا الجمال وهذه الهيئة البهية وتلك الوجوه الحمراء والأجساد البرونزية، إلا لحظة تجاوزي بوابة الميناء؟..هناك نساء نصبت شراك الهوى، حمر ممشوقات تعانق رجالا لا يقلون عنهن جمالا، وهنا فوق الرصيف رأيت عشقا يترك ظل عناق ورنين قبلات”ص113 وطالما هو في احدى المدن الايطالية فلا بد من الحديث عن التماثيل (رأيت ذلك التمثال العاري تماما يعرض مفاتن قامته منتصبا على حجر من المرمر الأسود..وقفت مندهشا أمام روعة ذلك النصب لفارس كان يطعن التنين وهو على صهوة جواده.
واستطرد :تبقى شخصية سي تعاني من الابتعاد عن ريتا حتى وهو يفكر ان يشتري بيتا لريتا لتسكن معهم امها وابنها ويتزوجها !(انا ارملة، بوذية كما تعرف وأنت شاب صغير مسلم) لكنه كان يفكر مع نفسه (لو ريتا تصبح مسلمة كنت سوف اتزوجها!) وفي المحطة الرابعة لرحلة البحار كانت في (جوهرة اوربا) بلجيكا “بناياتها المرتفعة المحصنة إله الخصب والشباب، كان تمثالا مرصعا بالماس تحيطه لوحات جدارية من العصر الروماني..كان يصادف احتفالات اعياد رأس السنة ، وهنا يلتقي بفتاة جميلة وشهية (سوفيا) تتكلم العربية فهي من (أم مغربية وآب بلجيكي) وهي من اطلقت عليه اسم (البحار) لتكون له مغامرة وعلاقة عابرة (كانت قدماها كالنجمات العارية تهفهف فوق قلوع البحار، أغرق في وهج الألوان مبتعدا عن أفقي، ضحوكا بذروة صحوي )ص133 ،يحتفلون معا براس السنة وموعدهم يكون في مساء اليوم الثاني لكن السفينة لا تتنظر العشاق ابدأ!.
ومضى الى القول :كانت المحطة قبل الاخيرة لرحلة البحار في ميناء ملدزبرة في انجلترا “لم تكن مدينة عادية أبدا، كانت مدينة ولا في الأحلام نظيفة يملؤها الضباب، ندية، عذبة، ملونة الأشجار، منظمة، تعج بالمحال البراقة والمترفة، كل شيء فيها يحاكي التطور والترف”ص143 .
واتم :ينتهي البحار في اسطنبول التي (نصفها اسيوي والنصف الآخر اوربي ليعبر البسفور وليصل الى ميناء (بوتي) في جورجيا لغرض التصليح والصيانة السنوي، يصل الى قرار تقديم الاستقالة ومغادرة السفينة للذهاب جوا الى حيث ريتا الاندونسية، وبعد طول انتظار تحصل الموافقة على استقالته بعد وصول البديل، وهو لا يفكر الا باحتضان ريتا “أدخل دوما من بابها الكبير.. ليس على ظهر البحر ..لا ..هذه المرة جوا في طائرة أكثر راحة وأسرع..ريتا التي هي الآن تنتظر وصولي في المطار عند صالة الانتظار مع ابنها وأمها العجوز بظهرها المنحني، معهم أنطونيو وزوجته طبعا”ص 150 .
وختم :لا يمكن للقارئ ان يفصل بين الواقع والخيال في هذه الرواية فكل شيء ممكن ان يكون واقعيا وكذلك يصلح ان يكون سرد لحكاية خيالية وهذا سر نجاح السرد عن حسن البحار، لأنه يعرف بأن الرواية تتميز بقدرتها على تناول السرد وتطويره ، كما تستطيع الرواية تقطيع السرد واخضاعه للتحليل التجريبي.



