اخر الأخبار

ساندت العشائر فتوى المرجعية فأعلنوا ثورة العشرين على الإحتلال الإنكليزي للمطالبة بالإستقلال

هحهخحهخ

4

نصت الفتوى التي اصدرتها المرجعية والتي فجرت ثورة العشرين (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويحق عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكَليز عن قبول مطالبهمبأمر قائد القوات
ب. ف. كوكس رئيس الحكام السياسيين(26)
ب- حاجات الجيش المحلية: وقد أدّت حاجات الجيش المحلية إلى اصدار عدد كبير من البيانات والاعلانات والأوامر المعقدة، هيمنت على العلاقات بين الجيش والأهلين، فكانت شديدة الوطأة صعبة التنفيذ بحيث انتقدها العسكريون قبل السياسيين.
ان من أسباب الثورة واندلاع لهبها في نظر الكثير من الباحثين والمؤرخين هو موقف رجال الدين. ولا يخفى ان المجتهدين من علماء الشيعة الإمامية، مرجع جميع أبناء هذه الطائفة في تلقي الفتاوى والأحكام الدينية، وهم يعتقدون ان علماءهم نوّاب أئمتهم فلا يخالفون لهم أمراً، ولا فتوى، ولا حكماً من الأحكام الشرعية. وقد ظهرت من قديم الزمان طبقات مختلفة من العلماء المذكورين، واختلفت اجتهاداتهم في كيفية كفاح الغزاة من الاستعماريين، فكان بعضهم، منطلقاً من حالة الضعف، يقصره القيام بوظائفه الدينية، وقسم آخر يعتقد بالاسلام لا يجتمع مع السيطرة الأجنبية تحت صعيد واحد مهما كانت الأصول، فعلى المسلم أن يستميت في الدفاع عن نفسه، متى هاجمه أو أراد الاستيلاء مستمر غاشم.
وقد كان من هذين التوجهين جماعات في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، فلما اندلع لهيب الحرب العالمية الأولى جرت مناقشات ومداولات كثيرة، في المحافل الدينية الموجودة في هذه المدن المقدسة، في موضوع الجهاد والقتال، فكان فريق يدعو إلى المسالمة بسبب ضعف الاستعداد وقلة وسائل الدفاع، وعدم ملاءمة الظروف للقتال، وكانت أكثرية العلماء والطلاّب، ولاسيّما العرب من دعاة الحرب والدفاع عن بيضة الإسلام، وقد تغلب هذا الحزب أخيراً، فكان لآرائه وفتاواه النفوذ الواسع على جمهور الناس في العراق(27).
ولا غرو في هذا الرأي والتحمس فقد قاد رجال الدين الرأي العام في أيام الانقلاب الدستوري وفي أثناء الحرب العالمية فكانوا من أصدق العامة المتفانين في سبيل مبادئهم، ومن أخلص الزعماء المؤمنين بعقائدهم، وكان كل ما لديهم في هذه القيادة الايمان والعقيدة الدينية التي اتنفروا بها الناس للجهاد سواءاً أكان ذلك في الحرب العالمية أم في ثورة العشرين – الثورة الكبرى – وهذا ما أزعج الاستعمار البريطاني والذي لم يضع في حساباته أهمية هذا الدور الكبير.
ولما تقدم نائب الحاكم الملكي العام في العراق (أي. تي. ولسن) باستفتاء طرحه للعراقيين يتضمن ثلاثة أسئلة:
1- هل العراقيون يرغبون في دولة عربية واحدة، تحت الوصاية البريطانية تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج ((العربي)) الفارسي؟
2- هل يرغبون، في هذه الحالة، في رئيس عربي بالإسم يرأس هذه الدولة الجديدة؟
3- مَن الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة؟
ان هذا الاستفتاء أثار موجة غضب واستياء في مناطق النجف، كربلاء، الكاظمية، والحلة، والموصل، واشدها وأعنفها مدينة النجف، فقد كانت هذه المدينة قذىً في عين البريطانيين وسياستهم، كما يصفها السير برسي كوكس، وكانت المدينة الأولى التي تحسست بثقل الاستعمار، واول مدينة عراقية فكّرت بالتخلص من الاستعمار البريطاني، بالنظر لما قد تشبعت من روح الحرية والنزوع إلى الديمقراطية، بسبب ما كانت تلقاه من دروس متواصلة عن فلسفة نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، وبسبب كونها مهد العلماء ومركز الروحانية، ولذا فقد اهتم بها الحاكم الملكي العام اهتماماً عظيماً، وأراد أن يعرف رأي سكانها والمحيطين بها في مستقبل بلادهم، معرفة دقيقة، فسافر إليها في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الأول سنة 1918م بعد أن أوعز إلى المبجر نوربري، الحاكم السياسي للواء الشامية والنجف، أن يدعو علماء النجف وأشرافها، وزعماء القبائل وساداتها، في أبي صخير والشامية للاجتماع بهم(28).
وبعد ان اجتمع الحاكم العام مع مجموعة نذكر منهم: الشيخ محمد رضا الشبيبي، والحاج عبد المحسن شلاش، والسيد هادي الرفيعي، والشيخ عبد الواحد سكر، والسيد علوان الياسري، وبعد المناقشات وابداء الآراء احتدم الموقف بينهم وبين الحاكم العام. طلبوا تأجيل الاجتماع إلى الغد، لدرس الموضوعات الثلاثة فوافق، حيث ذهب الحضور إلى الزعيم الروحي الجليل السيد محمد كاظم اليزدي لطرح الموضوع عليه، فأشار عليهم السيد اليزدي بالاجتماع وتداول الأمر فيما بينهم حيث اجتمعوا في دار ((الشيخ محمد جواد صاحب الجواهر )) حضره رهط من العلماء والزعماء والمتمولين والمتعلمين، والأشراف والسادات وغيرهم، وجرى نقاش حول مسألة الحاكم العام، وتشعبت الآراء، وداهمتهم الشرطة فشتتهم أيدي سبا.
إنتفاضة النجف:
جميع أبناء العراق استجابوا لنداء الثورة بالرغم من ان بؤرة الثورة الرئيسة وقيادتها كانت في المدن المقدسة والفرات الأوسط بشكل خاص … وبينما كانت مدينة النجف تشكو من قلّة الطعام، قدم إلى النجف شيخ من قبيلة عنزة محمّلاً برسالة من ((ليشمان)) – وهو ضابط انكَليزي اشتهر بقمعه لأنتفاضة النجف – إلى حميد خان المنصوب من الإنكَليز لمساعدته على حمل كمية كبيرة من الحبوب على متن قافلة قوامها 120 جملاً مرسلة من شيخ مشايخ عنزة (فهد بن هذال) حليف الإنكَليز الحميم، ولم يكن بوسع النجف أن توفر هذه الكمية من الحبوب لقبيلة وهابية هاجمت مدنهم وأهانت مقدساتهم وقتلت رجالهم في حملات نهب سابقة، ثم تجلس على بساط القصر تنتظر الجماعة أو العون على يد المحتلين الإنكَليز، لذلك ثارت الجماهير وخرجت في مظاهرة اتجهت نحو محط قافلة عنزة فنشبت معركة ونهب، وفوضى شاملة، فقدم النجف ضابط الارتباط السياسي المقيم في الشامية الكولونيل بلفور، ليسوي الأمور بالتي هي أحسن، ولكنه فشل في مهمته وخرج من النجف تحت حراسة مشددة، وامتدت ثورة أهالي النجف إلى حواليها حيث هاجم الأهالي مكاتب الحكومة في الكوفة وأبي صخير وانتصر الثوّار في الجولة الأولى(29).
ان الضغط المادي والمعنوي وواقعة قافلة ابن هذال هيأت النفوس للثورة، كما اجتمع أعضاء جمعية النهضة الذين اجتمعوا في 19 آذار في النجف الأشرف وقرروا بالاجماع البدء بالثورة عن طريق اغتيال الضابط مارشال حيث سيؤدي ذلك إلى سلسلة ردود فعل من جانب الإنكَليز وضدهم، تؤدي في النهاية إلى قيام ثورة عامة في الفرات الأوسط.
وبالفعل تمَّ اغتيال مارشال على يد عشرين شخصاً تنكروا في ثياب الشبانا (البوليس المحلي) ودخلوا مقر الإدارة المركزية البريطانية في خان عطية أبو كلل تحت شعار انهم يحملون رسالة مستعجلة إلى المارشال(30).
من المقاومة إلى الثورة:
ان تشكيل الجمعيات الوطنية وتعبئة الجماهير بالعمل ضد الاحتلال والتفاف المواطنين حول مرجعيتهم يساندهم بذلك رؤساء العشائر والجماهير، كان بمثابة بدء التحركات والمناوشات في المدن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء، ضد الإنكَليز وسريان تلك التحركات إلى المناطق الأخرى مما أدى إلى اصدامات بين الثائرين وحكومة لاحتلال، وأخذت النار تشتعل وتبرز بوادر الثورة الكبرى ملوحة بالأفق لتحرير العراق من احتلال العدو لها.((في الأسبوع الأول من 1918م كانت قوات بريطانية قد أخذت مواقعها في الكوفة، وكلّفت دورة عسكرية بالتجول حول سور النجف، فأُطلقت عليها النار وقتل اثنان من أفرادها )).
وأعاد هذا الحادث إلى الأذهان مرة أخرى فكرة المواجهة بين الشيعة والإنكَليز وأعطى انطباعاً عاجلاً، ربما شخص على طاولة العسكريين البريطانيين بان السهولة التي دخلت فيها قواتهم إلى بغداد لا تتكرر في مدينة النجف.
ففي بغداد لم يواجه البريطانيون مقاومة، بعد أن انسحب الجيش التركي منها إلى مواقع دفاعية في سامراء، ولم يكن أهالي مدينة بغداد في وضع يساعدهم على المقاومة، فوجهت ضربة قوية لحركة الجهاد، ولكن البقية الباقية من السكان لم يساهموا أساساً في عمل ضد الاحتلال مما سهل أمر السيطرة على بغداد.

محمد الكعبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى