خارج السيطرة.. كيف عطّلت إيران التفوّق الجويّ الأميركي؟

بقلم/ علي جزيني
يسخر كارلو كوب في مقال في العام 2010 من قدرات الدفاع الجويّ الإيراني، ويصفها بالتقادم والضعف، ويزيد في توصيف أحد أسبابها بفاشية النظام الإيراني الأوتوقراطي، فهو يرى أن جلّ هذه القدرات عبارة عن صواريخ سوفياتية وصينيّة من سبعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى ما ورثه الإيرانيّون من صواريخ “الهوك آي” (Hawk I) من نظام الشاه.
كوب هو باحث أسترالي في مجال إلكترونيّات الرادارات الذي يعتبر بلا منازعٍ ألف باء من يريد الاضطلاع بهذه المجالات، كما استقيت من موقعه الإلكتروني العديد معلومات هذا المقال، إلا أنه يسقط في الاستشراق والتعميم الساذج، متى تعلّق أي موضوع بدولة عالم ثالثيّة مناهضة للتحالف الغربي، كما العديد من الخبراء الغربيّين.
كان الأمر ليكون مثيراً للاهتمام لو أن كوب كتب مقالاً ثانياً في العام 2020. سيكون مسليّاً قراءة تعليقاته وردّ فعله أمام عشرات أنظمة الدفاع الجوي التي قام الإيرانيّون بتطويرها وإنتاجها في السنوات القليلة الماضية.
من جهة أخرى، خضعت منظومة “الإس-200” الطويلة المدى لتحديثات عديدة أيضاً، شملت نقل مكونات المنظومة من رادارات أنابيب الماغنترون إلى منظومات رقمية محوسبة من نوع الحالة الصلبة، الأمر الذي لم يرفع فقط من قدرة المنظومة على الاستهداف، بل وعلى العمل في ظروف تشويش أصعب بمرات، وبشكل مستمر، لأوقات أطول.
الإضافة النوعيّة لهذه المنظومة كانت دمجها بمنظومة “تلاش-3” محليّة الصنع، القادرة على إطلاق صواريخ “صياد 2 و3” العاملة بالوقود الصلب، وعلى التنقّل بحرية، بعكس منظومة “الإس-200” الثابتة الأصلية. ويمكن لهذه المنظومة العمل مع رادار “حافظ” المذكور سابقاً، أو حتى بشكل مستقلّ عن منظومة “الإس-200” منذ العام 2017.
أليست جميلةً فعلاً؟
سيكون من شبه المستحيل على دولة بحجم الجمهورية الإسلامية في إيران ووضعها أن تستقلّ بشكل كامل تكنولوجيّاً، كما على أي دولة تقريباً، بحكم البنية التحتيّة التشاركيّة العظيمة التي يتطلبها الإنتاج التكنولوجي والعلمي في عصرنا هذا. تنتمي النماذج التي ذكرناها سابقاً إلى المرحلة الثانية من الإبداع التكنولوجي، بحسب تقسيم كيم ونلسون، أي التقليد مع إضافة الإبداع، وتلك سمة أتقنتها إيران منذ زمن، أي نسخ النماذج الأجنبية وتعديلها باستخدام الهندسة العكسيّة وإضافة التعديلات والتطويرات إليها.
ما حملته السنوات العشر الأخيرة لم يكن مزيداً من التطوير في هذه المنظومات فحسب، بل كان تقديم منظومات حديثة تبتعد أكثر فأكثر عن النموذج الأصلي المستوحى، وتكسب كياناً واسماً خاصاً بها. هنا يكمن التحدّي الحقيقيّ في كسر الحاجز التكنولوجي. منظوماتٌ مثل “الثالث من خرداد” (سوم خرداد)، و”الخامس عشر من خرداد” (پانزده خرداد)، و”باور-373″، تقف على مستوى آخر تماماً من التطوّر التكنولوجي بالمقارنة مع المنظومات السابقة.
تستخدم منظومتا “باور” (أو “بافار” إذا ما أردنا تعريبها) و”15 خرداد” عائلة صواريخ صياد المطوّرة محليّاً. للمفارقة، فإن البنية الأساسية للجيل الثاني من الصواريخ تعتمد في تصميمها على صاروخ “الإس إم 1” (RIM-66 Standard SM-1)، الصاروخ البحريّ المضادّ للطائرات الذي أسقطت البحريّة الأميركيّة به رحلة طيران إيران رقم 655، والذي حصل عليه الإيرانيّون قبيل سقوط الشاه. وفي ذلك بعض من العزاء للإيرانيين إذا ما كان للتاريخ أن يتكلّم.
تمّ الإعلان عن منظومتي “15 خرداد” و”بافار 373″ في العام 2019، إلى جانب رادار “معراج 4” العملاق الذي سنتكلّم عنه لاحقاً. يمكننا وصف “15 خرداد” بالأخ الصغير في هذا العرض، فالمنظومة تستخدم الجيل الثاني والثالث من صواريخ “صياد” في مدى أقصى يصل إلى 60 كلم للثاني، و120 كلم للثالث، وارتفاعات تصل إلى 27 كلم.
بحسب القادة العسكريّين الإيرانيّين، فإن “15 خرداد” تستطيع مستخدمةً رادارها الخاص من نوع “بيسا” (PESA) رصد الأهداف من مسافة 150 كلم والاشتباك مع 6 أهداف جويّة في وقت متزامن، ومع أهداف خفيّة كـ”الإف-35″ من مسافة تصل إلى 45 كلم.
“درّة تاج الصناعات الدفاعية الإيرانيّة “
فئة الوزن الثقيل في المنظومات التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية تذهب بلا منازع إلى منظومتي “الإس-300 بي إم يو 2” (PMU2) ومنظومة “بافار-373” محليّة الصنع. يسبق “الإس-300 بي إم يو 2” نظيره الإس-400 بجيل واحد فقط، بمعنى آخر، “الإس 400” هو عمليّاً منظومة “إس-300 بي إم يو 3” تمّت إعادة تسميتها بهدف تسويقها. سنكتفي في هذا القسم بالحديث عن منظومة “بافار”، لحصر حديثنا بالمنظومات محليّة الصّنع.
بدأت إيران العمل على المنظومة في العام 2010 بعد رفض روسيا تسليمها “الإس 300” في البداية بسبب الضغوط الأميركيّة والتهديد بالعقوبات. يومها، كان من المستبعد أن تستطيع الجمهورية الإسلامية في وقت قصير كهذا صناعة منظومة مشابهة تستعمل رادارات مصفوفة مسح نشطة (AESA)، وسادت شكوك حول قدرتها على ذلك، نظراً إلى البنية التقنية والصناعية الهائلة التي يتطلّبها هذا المسعى.
على ذمّة القادة الإيرانيّين، فإن جدول مواصفات المنظومة مثير للإعجاب فعلاً، وهو إن لم يشِ بما هو موازٍ للـ”إس – 400″، فهو بلا شكّ يوازي مواصفات منظومات “الإس-300” الأحدث، إذ إنَّ مدى الكشف عن الأهداف 320 كلم ومدى تتّبع الأهداف 260 كلم، يفوق قليلاً المدى الأقصى للاشتباك معها، أي مدى صواريخ “صياد “4 الذي يبلغ 200 كلم، فيما يبلغ عدد الأهداف القابلة للكشف 300 هدف، وللتتبّع 60 هدفاً.
وثمة اختراقٌ تكنولوجيّ آخر للمنظومة كان في إدخال تقنية توجيه الدّفع (TVC) إلى صواريخ “صياد 4″، إذ أن المنظومة تستطيع إطلاق الصواريخ عموديّاً بأي اتجاه، وليس من الضرورة توجيه القاذف نحو اتجاه الهدف. يشابه “بافار” في ذلك منظومتي “إس 300” و”400″، ويختلف عنهما في أن الإطلاق ساخن، أي أن الصاروخ يشتعل في قاذفه، وليس في الهواء.
يمكن لـ”بافار”، إضافةً إلى راداري التتبّع والاشتباك بحزمتي “إس” و”إكس باند” تباعاً (وهي نطاق موجات راداريّة، بطول موجة دسميتري للأولى وسنتمتري للثانية)، أن يعمل بالتوازي مع راداري “معراج 4″ الفائق التطوّر و”مطلع الفجر” للإنذار المبكر.
رادار “معراج” العملاق هو رادار كشف يفوق في قدرته رادارات منظومة “بافار”، ويعتمد على المنطق الضبابي في تحديد أكثر دقّة لموقع الهدف. إضافةً إلى ذلك، يمتلك الرادار القدرة على الوصول إلى مدياتٍ أبعد تصل إلى 450 كلم، وتتبّع 200 هدف في وقت واحد، باستخدام حزمة “الإس باند” الأطول.
عملت روسيا على تزويد جميع كتائب “الإس-300″ و”400” برادارات من هذا الطراز، تعمل على نطاق “VHF” المتري. بموازاتها، أضافت إيران رادار “مطلع الفجر 3” إلى ترسانة رادارات “بافار-373”. والرادار إذاً هو رادار “إيسا” للإنذار المبكر مشابه للنيبو ولطول موجته.
هذا الرادار لن يقوم وحده بكشف وإدارة عمليّة إسقاط “الإف-35” مثلاً، لكنه سيسمح بما يسمى بالتثليث (Triangulation)، أي كشف اتجاه مسار الهدف العام، وتسهيل عمل الرادارات الأخرى المتباعدة عن بعضها البعض في تتبّع الجسم المعادي واستهدافه لاحقاً. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ إسقاط مسيّرة “RQ-4” المذكورة سابقاً، تمّ التمهيد له عبر منظومة تعتمد هذا النطاق ((VHF من طراز “ثامن”، قبل أن ترسلها “سوم خرداد” إلى قعر الخليج.
“ما تعلم الولايات المتّحدة بوجوده“
لن تتّسع هذه السطور للحديث عن جميع رادارات الجمهورية الإسلامية في إيران، وأقصد رادارات ما بعد الأفق، كـ”سبهر”، ورادارات أخرى طويلة المدى، كـ”نذير” و”قدير”، ولكن لا شكّ في أن ما تعلم الولايات المتّحدة بوجوده يجبرها على إعادة حسابات خسائرها في أي حملة محتملة على الجمهورية الإسلامية.
لم تكن المسألة تدور يوماً حول قدرة إيران على “الانتصار” بالمعنى الكلاسيكي، فهي لن تحتلّ عاصمة الولايات المتّحدة مثلاً أو تجبرها على الخضوع بشكل كلّي، إنما في جعل الولايات المتّحدة في حالة من عدم اليقين نحو مآل حربٍ ما في منطقتنا مع إيران.
تقوم هذه الحال مقام الرادع، بالنّظر إلى الخسائر التي قد تتعرّض لها الأولى كقوّة مهيمنة تحتاج إلى فرض سطوتها على مسارح أُخرى، كشرق آسيا، بشكل متزايد ومستمرّ. لا تحتاج الصين وإيران مثلاً إلى معاهدة دفاعٍ مشترك متى ما كانت أيّ حرب (وإن محدودة) مع الأولى ستمنح أفضليّة ما للثانية.
لن تستطيع الجمهورية الإسلاميّة في واقع الحال أن تصنع طائرة على شاكلة “الإف-35” في المدى القريب، ولن نناقش بجدوى سلاح الجو هنا، فذلك موضوع لمقال آخر، ولكن من الناحية العمليّة والاقتصاديّة، فإنَّ للمدافع أفضلية لا لبس فيها في هذا المجال.
لا ينعكس ذلك فقط من ناحية أفضليّة تواجد المدافع على الأرض، فوضع منظومة رادار “إيسا” على قاطرة “ذو الجناح” في الحالة الإيرانية هو أمر مختلف كليّاً من ناحية الكلفة عن وضعها على طائرة ما كالولايات المتّحدة، بل أيضاً في أنَّ كلفة صناعة الطائرة تختلف جذرياً عن صناعة الصواريخ المضادة لها.
على الوزن نفسه، فإنّ الكلفة التي يحتاج المهيمن إلى إنفاقها في عالمٍ يحاول التملص من هيمنته عبر محاولة اللحاق به، تزيد بأضعاف عن كلفة لحاق المتأخّرين به كحالة الصين، إذ إنه يقع على عاتق المهيمن حماية النظام الدّولي الذي صنعه، بعكس المستفيدين منه، كما يقول روبرت غيلبين. هذه الكلفة ستزيد بشكل مستمر بسبب اضطرار المهيمن باستمرار للإمساك بأطراف إمبراطوريته وثناياها ما يؤدي إلى إنهاكه وتعبه.
في حديث إلى أحد الأصدقاء، أسرّ لي بأنه مهما اشتريت من المنظومات الروسيّة “إس-300، 400 أو 500″، فإنها معرّضة في حالتنا هذه، ليس لمنع الاستخدام السياسي فقط، كما في حالة سوريا، أو للابتزاز في تسليمها، كما في حالة إيران، بل في أنها معرّضة للتدمير عاجلاً أم آجلاً، مهما أسقطت من طائرات.
نحن لن نملك دائماً مئات ملايين الدولارات كي نرسلها كل عدة سنوات إلى روسيا أو الصّين لتوريد هذه المنظومات بعد أن تعرّضت للإغراق بمئات الصواريخ والطائرات. التغيّير الحقيقي لن يكون في شرائها، بل في إنتاجها، وبعدد كبير، فمن شبه المستحيل تدمير العلم والمعرفة والخبرة الصناعيّة اللازمة لذلك. يوم يستطيع شعبنا إنتاجها بالمئات واستخدامها بكفاءة بالآلاف، فذلك سيكون يوماً مختلفاً بالتأكيد.



