اخر الأخبار

حقائق للتاريخ لماذا هاجم توفيق الحكيم عبد الناصر في مصر وما حكاية تهمة إختلاس الأموال الكويتية ؟

استبان للجميع أن الطريق إلى المناصب القيادية في الدولة والبقاء فيها، هو التقرب إلى رأس الدولة السادات، يعززه موقف معاد لعبد الناصر والتجربة الناصرية. وعلى أساس قاعدة المصالح، انضم إلى الهجوم على الناصرية وعبد الناصر مجموعة من الكتاب والصحفيين وأساتذة الجامعات، اشتهرت الغالبية العظمى منهم بتأييدهم لعبد الناصر عندما كان يملك بيده مفاتيح السلطة، بل إن غالبيتهم حققوا مجدهم الأدبي والصحفي في ظل نظام عبد الناصر، وقد مارسوا النقد السياسي والاجتماعي للتجربة الناصرية من خلال أعمالهم الأدبية أيام كان عبد الناصر في أدبياتهم أعظم شخصية تاريخية أنجبتها مصر.
كان من بين هؤلاء الكتاب والمفكرين نجيب محفوظ، د. مصطفى محمود، د. فؤاد زكريا. لكن كان نجم تلك النخبة هو الأستاذ توفيق الحكيم الكاتب المسرحي الشهير. لذا، فقد أفردنا مساحة لمناقشة دور الحكيم في الحملة الموجهة إلى الناصرية، وذلك لثقل مكانته الأدبية، ولأنها المرة الأولى التي يدخل فيها الحكيم في خصومة مباشرة مع السلطة ورموزها ويكسر واحدة من القواعد الصارمة التي التزم بها طوال حياته وهي أن لا يقترب من السلطة أو يتصادم معها.
فقد ظل توفيق الحكيم منذ قيام ثورة تموز 1952 على علاقة ممتازة ومتميزة بعبد الناصر حتى وفاته. وقبل وفاة توفيق الحكيم ذكر أنه كانت تربطه بجمال عبد الناصر علاقة متميزة، جعلته يضع توفيق الحكيم في موقع التقدير والتميز، بعدّه يمثل الأب الروحي لثورة 23 تموز، خاصة بعد ظهور روايته (عودة الروح )، والتي تنبأ فيها توفيق الحكيم بظهور المخلص المعبود والبطل المنتظر الذي سيحيي الأمة من رقادها.
وعندما صدر قرار بإعفاء توفيق الحكيم من وظيفته في دار الكتب، تضامن عبد الناصر مع توفيق الحكيم في مواجهة أحد وزرائه، وبرر موقفه بقوله: هذا الكاتب أثره الكبير في تفكيري. كما أصبح توفيق الحكيم بعد ذلك عضوا بارزا في البرلمان المصري.
وفي عام 1958 منح توفيق الحكيم ( قلادة الجمهورية ) من عبد الناصر. ولا تسجل المدة الزمنية من حكم عبد الناصر أن منع لتوفيق الحكيم أي عمل من أعماله الأدبية أو النقدية. على العكس تماما، فقد مارس الحكيم نقده للنظام الناصري في رواياته بنك القلق، والسلطان الحائر وكلها أعمال منشوره في كبرى الصحف، وترجمت إلى أعمال فنية.
هذه المكانة التي تفرد بها توفيق الحكيم جعلته يتباهى ويفتخر بالعلاقة الروحية والفكرية التي تربطه بعبد الناصر، ففي مقال له في جريدة الأهرام في 3/15/ 1965 -أي بعد 13 عاما من حكم عبد الناصر- كتب الحكيم:” اخترته بالفعل منذ ثلاثين عاما يوم تصورت الزعيم الذي ننتظره ليعيد إلينا الروح ويجعل من شعبنا الزراعي شعبا صناعيا، ويصنع معجزة أخرى كالأهرام. اخترته يومئذ لبلادنا وانتظرته، وظهر وعجبت للحلم الذي تجسد حقيقة بهذه السرعة وبهذه الروعة وبهذا الوضوح. ثم بدأ الحلم يواجه الواقع في تفصيلاته وتعقيداته…فكنت أتابع الزعيم على البعد في مواجهة الزوابع وأضع نفسي بالخيال موضعه. وأرسم في مخيلتي خططا للنجاة أو للفوز فإذا بي أفاجأ في أكثر الأحيان (بالزعيم) وقد خرج من الموقف أبرع وأحكم مما تصورت ورسمت.
وفي أحيان أخرى أوفق إلى رأي يعجبني في أمر من الأمور، فإذا بي، أجده قد سبقني إليه. وكان تفكيري وتفكيره على صلة، مع أنني لم أقابله في حياتي أكثر من خمس دقائق. ثم أجده أحيانا قد صدم الناس بقرار جريء. فأخلو إلى نفسي أحلل في هدوء ظروفه ومراميه، فإذا بي أجد أني لو كنت في موقفه لما فعلت غير ما فعل.
هذه الصلة الخفية بيننا على البعد ما سرها؟، سرها بسيط: وحدة الينبوع. الينبوع الصافي الذي هو قلب الوطن…من هذا القلب الصافي خرج هذا الزعيم كما خرج كل فرد من أفراد أمته. لهذا كان اندماج الناس فيه…وكان حبهم له…وكان انتصاره. أما بالنسبة لي أنا…فأكثر من الحب. هناك الحلم…الحلم الذي تصورته والتصق بوجودي وتفكيري…نعم الحلم والأمل. ولم يتخلَ إنسان عن حلمه أبداً.
بدأ توفيق الحكيم مشاركته في الحملة الموجهة ضد عبد الناصر بنشر كراسة صغيرة بعنوان ( عودة الوعي ) والتي ترتب على ظهورها ضجة إعلامية صاخبة. ففي هذا الكتيب لخص الحكيم موقفه من التجربة الناصرية والتي حدد بدايتها بيوم الأربعاء 23 يوليو 1952 حتى يوم الأحد 23 يوليو 1973، فيصفها بأنها كانت مرحلة عاش فيها الشعب المصري فاقدا الوعي، مرحلة لم تسمح بظهور رأي في العلن مخالف لرأي الزعيم المعبود.
نلاحظ أن تحديد عمر التجربة الناصرية من توفيق الحكيم قد جرى بدقة لا تعرف الصدفة، فحدد بدايته بيوم الأربعاء 23 يوليو 1952 حتى يوم الأحد 23 يوليو 1973، وكان هذا بقصد أن يستبعد انتصار أكتوبر العسكري ونتائجه خارج عمر التجربة الناصرية ومفصولا عنها، ليحصر ثمارها لتكون من نصيب السادات وحده، في إشارة تحمل الولاء، وإن كان مختلطا بالنفاق المكشوف.
كما أشار الحكيم أن كتابه ( عودة الوعي بأنها) ليست تاريخا، وإنما مشاهد ومشاعر استرجعت من الذاكرة، ومجملها أنه قد سار خلف الثورة بدون وعي فيقول:” العجيب أن شخصا مثلي محسوب على البلد هو من أهل الفكر قد أدركته الثورة وهو في كهولته يمكن أن ينساق أيضا خلف الحماس العاطفي، ولا يخطر لي أن أفكر في حقيقة هذه الصورة التي كانت تصنع لنا، كانت الثقة فيما يبدو قد شلت التفكير.”
“…سحرونا ببريق آمال كنا نتطلع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسكرنا حتى غاب عنا الوعي. اعتدنا هذا النوع من الحياة الذي جعلتنا فيه الثورة مجرد أجهزة استقبال، ويضيف كيف استطاع شخص مثلي أن يري ذلك ويسمعه وأن لا يتأثر كثيرا بما رأى وسمع ويظل على شعوره الطيب نحو عبد الناصر. أهو فقدان الوعي. أ‎هي حالة غريبة من التخدير.
أسكر توفيق الحكيم الشعب المصري بأكمله، وحوله إلى شعب مخمور، لا يحاسب على أفعاله، لأنه فاقد للأهلية. وليفرغ كل ما صدر عن هذا الشعب من تأييد لثورته ولقائدها من أي معنى لأنها ببساطة مواقف صادرة عن شعب من السكارى، شعب كانت ردود أفعاله ومواقفه تتشكل بفعل إدمانه الخمر وعلى مدى المدة الزمنية التي حددها الحكيم بيوم الأربعاء 23 يوليو 1952 حتى يوم الأحد 23 يوليو 1973، وبالتالي لا يحاسب على سلوكه ومواقفه وقراراته التي أقدم عليها أمام الأجيال والتاريخ.
كانت اتهامات توفيق الحكيم بغير سند رغم أنه في الأصل رجل قانون. كان عليه أن يدقق وأن يراجع مجرد قوائم وإحصائيات ويقارنها بمرحلة سابقة عاصرها، وكتب عنها. كان عليه أن يراجع ما جرة لقطاع الزراعة الذي ألهمه كتابة ( نائب في الأرياف ). كان عليه أن يراجع هل حققت الثورة بدايات على طريق تصنيع البلاد بمثل ما توقع؟ هل راجع أعداد المتلقين للتعليم والمعرفة؟ وهل كان التعليم قبل يوم الأربعاء 23 يوليو 1952 لغير القادرين على دفع تكاليفه؟ أم هو أصبح بعد يوم الأربعاء 23 يوليو 1952 مشاعا للجميع؟.
بعدها كان توفيق الحكيم أول من دفع مبلغ خمسين جنيها _ والمعروف عن الحكيم أنه كان شديد البخل_ مساهمة في تكاليف إقامة تمثال لعبد الناصر عرفانا بالجميل..ورمزا يشرف على الأجيال القادمة. وهكذا كَذِّبْ توفيق الحكيم كل ما قال به توفيق الحكيم. تناسى توفيق الحكيم ما قاله: في عام 1965 أنه كان يخلو إلى نفسه ويحلل في هدوء كل ما يقدم عليه عبد الناصر سواء من ناحية الموضوع أم ما يتعلق بالمنهج، فيجد صواب قرار عبد الناصر وصحة منهجه، وأنه لو كان في موقع عبد الناصر لما فعل غير ما فعله عبد الناصر.
كذلك كان توفيق الحكيم هو الذي كتب بخط يده في شباط 1972 بيان المثقفين المؤيدين لحركة الطلاب. ومنذ صدور ( عودة الوعي) وبداية تأييده للنظام الجديد بدءا بدعم مبادرة زيارة القدس المحتلة وانتهاء بالدعوة إلى حياد مصر. وهي خاتمة مثيرة لشيخ رائد تجاوز الثمانين ولكنها ليست خاتمة الثقافة المصرية.
وفي زيارة السادات للكويت…انتهز نواب البرلمان الكويتي من كل الاتجاهات الفرصة، ليرد كل منهم في تعليقه على أن نجاح الكويت في المفاوضات وفي امتلاك بترولها كله، أنه لابد في هذه المناسبة من ذكر جمال عبد الناصر الذي كان أول من قال “بترول العرب للعرب” في وقت كان يبدو فيه هذا الكلام حديث خرافة…وكان جزء من هذه الخطابات مقصوداً به أن يسمع عنه السادات.
وفي الليل أقيمت للسادات مأدبة عشاء رسمية…وحدث حادث غريب مفاجئ. إذ تقدم إلى السادات أحد كبار القوم من الكويتيين وقال له على مسمع من الموجودين المحيطين يا سيادة الرئيس، نحن لا نقبل أن يقال في مصر أن جمال عبد الناصر قد اختلس عشرة ملايين جنيه وأنا شخصيا، ويشهد كل الأخوان الواقفين، كنت ضد جمال عبد الناصر، وكنت ضد حرب اليمن بالذات. ولكن أن يقال أن جمال عبد الناصر الذي كانت خزائن مصر كلها في يديه، وخزائن العرب إذا شاء، قد اختلس عشرة ملايين دولار فهذا عار على الأمة العربية كلها. التي كان جمال عبد الناصر _شئنا أم أبينا_ رمزا لها في العالم كله. وأنني اطلب أن تقول لنا أي مبلغ ترون أنه في ذمة جمال عبد الناصر للخزانة المصرية، وسوف ندعو الشعب الكويتي للتبرع به وتسديده عنه. وسيجمع الشعب الكويتي أي مبلغ في أقل من 24 ساعة.
حول اللجنة التي تشكلت للتحقيق في الاتهامات الملفقة:”…كان رئيس اللجنة الذي اختير لفحص موضوع _ الاختلاس _ وتقديم التقرير هو الاقتصادي الشهير د. علي الجريتلي…وقد قابلته وسألته عن التقرير قال لي: د. الجريتلي أنني لم أسمح لأحد في اللجنة أن يشاركني في العمل وقد قمت بنفسي بمتابعة كل الموضوع…وقد كنت واثقا من النتيجة فقد كان عبد الناصر أكثر كبرياء من أن يقبل بأي إفساد له…بعد موت عبد الناصر بسنة تقريبا كنت في مقابلة مع رئيس البنوك السويسرية وإذا به يقول لي أن المخابرات الأميركية والمخابرات الإسرائيلية قد ( هلكتنا ) شهورا طويلة. وسألته لماذا؟ فقال لي الرجل السويسري: لقد حاولوا بأي طريقة العثور على أي حساب باسم جمال عبد الناصر فلم يجدوا.” وبتحليل شهادة أحمد بهاء الدين تتكشف وحدة الخواطر والهدف بين السادات الذي حاول أن ينجح فيما فشلت فيه المخابرات الأميركية والإسرائيلية في تلويث سمعة جمال عبد الناصر. ويستعرض هيكل ثروة عبد الناصر المالية حتى يوم وفاته:” أن حجم ثروة عبد الناصر في 9/28 /1970 لم يتعدَ مبلغ 1500 جنيه قيمة بوليصة تأمين على حياته، عقدها قبل ذهابه إلى حرب فلسطين 1948، وأن رصيده في البنك كان مبلغ 2400 جنيه، في الوقت الذي كان عبد الناصر مدينا بمبلغ 26 ألف جنيه أقترضها باستبدال معاشه لبناء بيتين لابنتيه عند زواجهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى