بسبب رسوم البلدية إضراب أهالي بغداد عام 1931

2
ومن ناحية ثانية فان هيئة المستشارين الانكليز كانت تتابع سراً وعلانيةً ما يجري على الساحة الوطنية والقومية وتعمل من طرف خفي على جر شخصيات واحزاب معينة الى حلبة الصراع الذي من شأنه ترجيح كفة المصالح البريطانية على النحو الذي افضت اليه تجربة المرحوم عبد المحسن السعدون وحزبه المعروف بحزب التقدم التي قال: ازاءها قولته المشهورة (الشعب يريد والانكليز لا يوافقون) وعليه: ظل العمل على جر قوى المعارضة الى جانب السياسة البريطانية التي كانت تسمى جزافاً بالائتلاف الحكومي في الوزارات التي يؤلفها نوري السعيد وهذا ماحدث في استقطاب الوزارة الحاكمة لأحد اقوى تلك الرؤوس المعارضة حيث تم التأثير في مزاحم الباججي الى صفوف الوزارة السعيدية المهزوزة شعبياً وحزبياً بهدف دعمها ظاهرياً واضفاء صفة الشعبية عليها لكن الهدف العام هو تهديم المعارضة كمحصلة اخيرة والنيل منها بهدوء بعد اضفاء صفة الديمقراطية على العمل السياسي في وقت لا يفسر فيه مثل هذا الاجراء الا كونه نوعاً من انواع الديماغوجية. ومن المضاعفات التي سارعت في بلورة الاحداث ان صيف عام 1931 كان صيفاً ملتهباً ساخناً في وقت مبكر مشفوعاً بغليان شعبي متفجرحيث استقال ثلاثة من اكثر نواب بغداد قوة احتجاجاً على مناقشة قانون ادارة البلديات فذكروا في بيان الاستقالة (ان الادلة والبراهين قد توفرت لدينا بان الحكومة لم تحترم الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور ولم تعبأ بأحكام القوانين في تنفيذ اغراضها وغاياتها التي لم تأتلف والصالح العام) وكان هؤلاء النواب هم من الذين تناوبوا على رئاسة الوزارات السابقة وهم السادة رشيد عالي الكيلاني وياسين الهاشمي وعلي جودة الايوبي: ترى الا يفرز هذا الموقف السياسي المعلن على رؤوس الاشهاد موقفاً تعزيزياً للنضال العمالي المشروع في المطالبة بحقوقهم المهدورة؟ لقد بلغ التوجه نحو الرأسمالية ذروته لدى الانكليز الذين خفضوا من العمالة العراقية الوطنية في المشاريع الانكليزية التي أنشأت اصلا ً لخدمة المصالح الاستعمارية وربط العراق بالرساميل الاجنبية وتقليص الحجم العددي للقوى العاملة العراقية بشكل واضح في المشاريع الكبيرة مثل السكك الحديد التي انخفضت فيها العمالة من (8129)عام 1926 الى (4000) عامل سنة 1931 وفي شركة النفط العراقية كان عدد العمال (3500) عاملاً انخفض الى (1636) في حزيران 1931 وهذا بطبيعة الحال انسحب على انخفاض مستوى المعيشة للعمال مضافاً الى انخفاض مستوى العمال. لقد أخذت معظم المشاريع الاقتصادية القائمة على التمويل الاجنبي تعاني من ازمات حقيقية لضعف مصادر التمويل الاجنبية مشفوعة بضعف القوة الشرائية الداخلية وتبعه ان الحكومة أخذت تخفض من الملاكات الحكومية العامة بحجة تنسيق الملاكات الوظيفية في الدولة العراقية الامر الذي ساهم في زيادة البطالة وضاعف من اعداد العاطلين. هذا الواقع قد انعكس سلبياً على الحياة العامة وخلق ازمات اقتصادية في عدد من القطاعات الاقتصادية وظهرت نتائجه السلبية المباشرة على حياة الجماهير العمالية فنمت حالات التذمر واتسع نطاق المشاكل وانعكس على طبيعة النضال الوطني الامر الذي رص الصفوف واوجد مستوى عالياً من التلاحم الجماهيري على ارض الواقع الذي يدعم التجربة النقابية الحديثة. وكان من نتائج هذا التلاحم العمالي الشعبي بروز الاتحاد القوي بين عمال المهنة واصحابها وطرد العمال الاجانب وحل محلهم عمال عراقيون وتم تشجيع الانتاج الوطني الى جانب الوقوف الحازم ضد الارادة الانكليزية بعتدّها شكلاً من اشكال الانتداب البريطاني وامتداداته المختلفة. هذا التوجه الوطني ساهم في تجذير حياة الجماهير العمالية وتوسيع قاعدة نضالها ضد المؤسسات الاستعمارية واستغلال الشركات الاجنبية فقد قام عمال السكك الحديد باضرابهم الثاني الذي تكلل بالاتفاق بين مدير السكك الحديد ووفد جمعية اصحاب المصانع والحرف لكن الالتفاف على مطالب عمال السكك كان السبب المباشر في التهيئة الجماهيرية لاعلان اضراب الرسوم البلدية بل ساهم في ايجاد قاعدة عمالية متحمسة لتعبئة الاضراب بالتزام وانضباط عال وتنديد الخلاف بين مديرية السكك وجمعية اصحاب الصنائع. انتهى الاضراب الثاني الذي قام به عمال السكك بموجب اتفاق تم بين اصحاب الصنائع ومدير السكك الحديد وحسمت القضية في 1931/4/3 في مكتب وزير الاقتصاد والمواصلات حيث كان الوزير المختص وسيطاً في حل الخلافات بين الطرفين. ومبدئياً نفذت ادارة السكك الشروط التي تم الاتفاق عليها لكن مديرية السكك قلبت ظهر المجن للعمال وعمدت الى مخالفة قسم من نقاط الاتفاق الامر الذي دعا طلب معاونة الوزير المختص لاجبار السكك على تنفيذ بنود الاتفاقية لكن الوزير المختص لم يتدخل بشكل حاسم فظلت الحالة عائمة فبدا التأجيل والتسويف طلبت اثناءه مديرية السكك اختيار احد أمرين مدعية انها كانت مرغمة على تنفيذ احدهما وهما: أ- الموافقة على تنسيق عدد معين من العمال العراقيين لسد اجورهم والنقص الموجود في ميزانيتها. ب- الموافقة على توزيع هذا النقص على اجورهم. تمت الموافقة على الطريقة الاولى لكن (انحاز الوزير المختص لجانب السكك في الوقت الذي كان فيه الاختلاف بين السكك وجمعية اصحاب المصانع بالغاً ذروته) وحدث ان اصدرت أمانة العاصمة قراراً يقضي بمنع الباصات الكبيرة من السير بالشوارع العامة… انتهزت جمعية اصحاب الصنائع هذه الفرصة لمجابهة السكك وتمت دعوة اصحاب الباصات لتشكيل شركة نقل اهلية قوامها السيارات الممنوعة لنقل الزوار بين بغداد والاماكن المقدسة وكانت الفرصة سانحة لقرب مراسيم عاشوراء وتعهد فريق من رجال الدين والوجهاء على معاضدة هذا المشروع فانسحبت جمعية اصحاب الصنائع عن تنفيذ الاضراب الثالث المتوقع حدوثه. اعتقدت جمعية اصحاب الصنائع ان هذا الاجراء يكبد السكك اضراراً مادية كبرى اكثر مما يكبدها الاضراب فعملت على اخراج هذه الفكرة الى الوجود وهي بنفس الوقت تنعش العمال المنكوبين برزقهم من خلال تشغيلهم في هذه الشركة الاهلية لكن مدير السكك شعر بفحوى الخطة فهرع راكضاً الى وزير الداخلية لاقناعه بسحب القرار القاضي بمنع الباصات من السير في الشوارع العامة وكان له ما اراد فأصدرت أمانة العاصمة بياناً بتأجيل موعد التنفيذ الى اشعار اخر بدل ان يتم منع الباصات ابتداءاً من 1931/7/1.
هذه النتيجة السلبية انسحبت على العمال وتلقوا صدمة ثانية لكن العمال لم ييأسوا بل ازدادوا صلابة واصراراً على مواصلة النضال وكان هذا التصرف قد شكل مسكاً لزمام المبادرة في قيادة النضال العمالي واصطف معه الرأي العام بمختلف طبقاته وشرائحه الاجتماعية فكسب العمال تأييد الرأي العام الامر الذي أدى الى وقوف كل القوى الوطنية الى جانب القضايا العمالية الموجهة اساساً ضد المصالح والوجود البريطاني في العراق وكان الاضراب الثاني لعمال السكك قد بدأ في 12 شباط 1931 فكانت حقاً تعبئة جماهيرية. قامت جمعية اصحاب الصنائع والحرف بالتعاون والتنسيق مع بقية الجمعيات المهنية العمالية.




