ثقافية

الوردة والفراشة للتعبير عن محنة الحياة والموت في وطنٍ مبتلى بالحروب

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يرى الناقد والشاعر وجدان عبدالعزيز ان الشاعر عبدالحسين بريسم في في دواوينه الثلاثة “البريسم” “عراقي يكتب سيرته” و”قرط النعاس” استخدم الوردة والفراشة للتعبير عن محنة الحياة والموت في وطنٍ مبتلى بالحروب.

وقال عبد العزيز في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): لاشك ان الشاعر عبدالحسين بريسم انتج الكثير من الشعر، وترك بصمته الخاصة، لكني اخيرا حصلت على ثلاث من دواوينه، وهي (البريسم)، و(قرط النعاس)، و(عراقي يكتب سيرته)، فوجدت اشعارها منهمكة تبحث عن نسغ الحياة وجمال الحب في وطنٍ مبتلاة بالوجع التليد، ووجدت الشاعر بريسم، قد وضع رؤيته وبقي وفيا لهذه الرؤية، ففي لقاء معه، كان جوابه لسؤال لِمَ الشعر وليس غيره كالقصة أو الرواية؟، وكان جوابه : (في البدء كان الشعر ومنه توالدت بقية الفنون ولا أجدني مخيرا في الشعر لاختار غيره، فانا والشعر توأمان ولدنا معا ونعيش في عوالمه معا أيضا، فانا كتبني الشعر وكتبته، والى الآن يكتبني واكتبه، حتى أصل به إلى ما أريد، أو يصل بي هو إلى ما يريد، إني أجد ذاتي والوطن والنساء في قصيدة واحدة، ومنها تتعدد الأشكال والصور).

واضاف عبد العزيز: بدأت اتابع صدقه الشعري، وما قاله اعلاه، فلم اجد افتراقا، بل هناك اصرار وقصدية في بلورة موقف رؤيوي يكاد ان يكون ثابتا مع جماليات الحب والحياة بقضها وقضيضها، ومنذ البدء ثبت موقفا وادار ظهره، كي لايعبأ بالمصدات، وشاهِدنا من ديوانه (البريسم) قصيدة (حَمام الكاظم)، يقول فيها :(تركتني اجر ثيابي

مثل نهر قديم

اسماكه تساقطت

مع الامطار التي..

لم تأتِ في موعدها

وأنا..

لا ارى سنابل تتبعني

ولا اشم..

رائحة الخبز

وأنا ايضاً

لا اعرف من المعنى

الا أنتَ)

فالامام الكاظم عليه السلام، سيرته لها معنى، هذا المعنى توافق مع رؤية الشاعر بريسم، فبقي وفيا لهذا المعنى، وعزز هذا المعنى بقصيدته (طريق علي)، ونحن ندرك ان طريق الحق موحش، قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ((لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه))، وقال الشاعر : (هذا الطريق موحش وسالكوه فرادى/الاصوات كلها تداخلت/تدعو الفضيلة والخلاص/من جحيم خلفه الاضداد/وأنا لاارى الا الطريق)، وكأني بالشاعر يعاهد نفسه بفهم المعنى والوفاء له، فهو لايرى الا الطريق، واي طريق هو، انه (طريق علي)، وهنا صدقت مقولته، حينما قال الشعر يكتبني، واكتبه، أي بمعنى يكتبني حين يتوافق مع رؤيتي، واكتبه حين يحيد بي، نحو افاق الخيال الجامح، لاحاول ترويضه بصعوبة احيانا، ثم يقول أي الشاعر :

ابكي ـ في حضرة الضوء ـ عمراً

محت نصفه الحروب

واندرس الاخر بالمجاعات)

وتابع :اذن كلما حاولنا النزوع نحو الافاق الاخرى، يمسكنا الشاعر عند لازمة الكتابة والشعر، ويعلن التزامه بوفاءه الاول.. وبقي في (طريق علي) والكتابة الى ان جاء ولده علي، فسمى قصيدته (في انتظار علي) من ديوانه (عراقي يكتب سيرته) يقول فيها :

(كنت حلما في افق رأسي

حاولت ان امسكه

والبسه ثيابا واعلقه قمراً على نخلتي الوحيدة

واسميه علياً

فالشعر لحظات ابداعية لانستطيع ان نمنعها من المثول امامنا، لكن الشاعر بريسم يتمثل تلك اللحظات، ثم يهضم معناها، ليركب منها توكيدات قصدية لمعناه الاصل، علي عليه السلام رسالة انسانية متكاملة، فلسنا نحن نقول هذا، انما سيرته تنطق هذا الحق، والشاعر يحاول الاقتراب، ويحاول الجوار، فحلمه ان يكون في طريق علي، فجاء حلمه الاخر، وهو ابنه علي ليكون مهماز يستنهضه، كي يكون وفيا اصيلا لذلك الطريق، علي ابنه يعني تجدد لرؤيته.. تجدد لوفاءه لمطر حروف الشعر، حينما تسقط فتهتز وتربت ارض الشعر بين يديه وتنبت من كل زوج بهيج.

واستطرد :ان القراءة في المساحات الشعرية رحلة، تبحث عن رؤية الشاعر ذي الموقف محفوفا بالمآسي والاوجاع، هكذا الشاعر بريسم يتحين لحظاته الشعرية، ليوجهها الوجهة التالية

واشار الى ان بريسم في ديوانه (قرط النعاس) وقصيدة (محنة شاعر وأغنية) توضحت رؤياه، وهو يؤشر قلقه تجاه قضايا الحياة ومحنة الطريق، يقول فيها :

(وردة وفراشة

احداهما ترقص على

 وجع كلماتي

والاخرى تمد جذورها مسامير

في كلمات قلبي

ايهما ترقص

وايهما تقتل

الوردة

الفراشات

وهنا عاش محنة الحياة والموت، الا انه استعمل جماليات الحياة : الوردة والفراشة، رغم انه يتخطى المسافات الخطرة، وهو موجوعا، فما الذي يجعل الشاعر بريسم موجودا؟، هي قد تكون حالة الوصول إلى ما يريد من خلال الشعر، لكن بطريق اثبات الموقف، فهو خابر الطريق بزواياه ويعرف مخارجه فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء، بل يضفي عليها من خياله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسروروقد يبقى الشاعر عبدالحسين بريسم على قيد تحقيق رؤياه المحفوفة بالمآسي والعبوات الناسفة والحروب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى