حيدر عبد الرحيم الشويلي: “السباعي” جعل المكان في “بنات الخائبات” هو البطل

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد حيدر عبد الرحيم الشويلي ان المكان القصصي في رواية “بنات الخائبات” ينشأ مع النص، فيتم متابعة رحلة تطوره في القصة وكذا الإبانة عن شبكة العلاقات التي يقيمها مع بقية المكونات القصصية الأخرى، مبينا ان المؤلف علي السباعي جعل المكان في هذه الرواية هو البطل .
وقال الشويلي في دراسة نقدية تابعتها (المراقب العراقي): تهدف هذه الدراسة إلى محاولة تحديد مفهوم المكان القصصي او السردي و إبراز أهميته في إقامة دعائم القصة و لأن هذا المكون اللغوي لا يمكنه أن يتمظهر في القصة إلا مصحوبا بأبعاده الخارجية (الواقعية)، فقد تطلب البحث فيه، ضرورة تحديد مفهومه اللغوي، وكذا التطرق إليه كمقولة فلسفية شغلت فكر الإنسان منذ زمن بعيد إذ أن أي حديث عن المكان القصصي يكون مجديا أكثر إذا ما تم الإلماع إلى جذوره الفلسفية و حتى العلمية، لكن في حدود ما تسمح به الاستفادة من فلسفته في بناء تصور جمالي متكامل للمكان الفني في القصة، و إبراز الحدود الفاصلة بينه و بين المكان الواقعي. ستتطرق هذه الدراسة إلى بعض المقاربات التي تناولت المكان, وبخاصة تلك التي تناولته في نظرية القصة ،في إطار معالجتها لموضوع الفضاء السردي، كما سيتعرض أيضا إلى أهم الدراسات النقدية العربية التي عالجت موضوع المكان, و أثارت إشكالية المكان و الفضاء التي ألقت بظلالها على هذه الدراسات. و لأن المكان القصصي ينشأ مع النص، فسيتم متابعة رحلة تطوره في القصة وكذا الإبانة عن شبكة العلاقات التي يقيمها مع بقية المكونات القصصية ومن ثم عن كيفية إنتاجه لدلالاته.
وأضاف: تستلزم الكتابة عما كتبه القاص العراقي والعربي ( علي السباعي )، استحضار واستلهام الأمكنة التي كتب عنها وأثث لها في مجموعته القصصية، الموسومة تحت عنوان جاذب ومغاير لما هو مألوف:- (( بنات الخائبات )). أجاد القاص علي السباعي بالكتابة عن المكان حتى أن المكان أصبح لديه البطل ، صحيح أنه كتب عن مشاهداته في مدينة الناصرية ، مدينته ، الناصرية التي تقع على بعد ( 384 ) كم جنوب العاصمة بغداد ، وبنحو ( 200 ) كم عن شمال مدينة البصرة ، أعتقد أنه أضاف بريقه الخاص في كتابة القصة القصيرة على مدينة الناصرية كمدينة ، بنات الخائبات تثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام عن أمكنته التي زرعها شاتلاً في جسد بناته الخائبات كمن يوزع شتلات الأمكنة في حقله القصصي المعد جيداً لاستقبال هكذا شتلات . لذا كان لزاماً علينا أن ندرس أمكنته الموظفة ضمن نسيج خطابه السردي المتماسك والمبهر والقوي والهادف .
وتابع: يميل السباعي علي إلى جدية درايّة مبصرة عارفة بتوظيف أمكنته التي ولد وترعرع وعاش فيها ، وكأن قصص علي السباعي بدون مدينته الناصرية تظل هياكل فارغة ذلك ما دونه في لقاء أجراه معه الصحفي والمترجم العراقي(مصطفى علي الربيعي) لصالح مجلة التحاف التونسية حيث قال عن الناصرية أرتبط بها ارتباط الجنين بأمه ، داخل رحمها ارتباطا ” مشيمياً ” جسدياً ، فلو جردت الناصرية من موضوعاتي القصصية لبقيت هياكل . أنها مسرح حياتي كلها ، وهدفي من توظيفها تأصيل واستكناه رموزها ، وتقصي دلالاتها ، فالناصرية أرث ثقافي كبير، وكل هذا الإرث المخبوء أجده موضوعة أساسية تقدح ذاكرتي ، وما مرت به الناصرية من مراحل متغيرة أكسبتها ذلك الإرث المخبوء الذي يجب أن نقتنصه إبداعياً .
وختم :ان الأمكنة عنده أضاءات ذكية، تارة تفيض كنهر عذب، وتارة أخرى تشرق مثل شمس تدفء دماء أيامنا التي جمدها برد الظلم. ميزة أمكنة القاص علي السباعي أنك تراها وأبطالها يلصفون مثل النجوم في عزة الظهيرة . تجد كل أمكنة بنات الخائبات عالقة في ذاكرتنا، كونه كتب عن خرابها الذي هو خرابنا ، وقسوتها التي هي قسوتنا ، وغيابها المر الذي هو غيابنا ، وبؤسها الذي هو بؤسنا، كانت لغته التي صاغها منها أمكنته تسمعك دقات ساعتها، وسنابك خيلها تصلك من فلوات الناصرية حين تغلق الجدران أبوابها وشبابيكها علينا، لغته تثير بقدومها حسك بالمكان كمتلقي، توقظك من أغواءات الحياة حولك إلى حقوله القصصية الرحبة المزدانة بقصص الأسلاف ببراعة، مولع علي السباعي بالمكان، والمكان يشاكسه ويستفزه، وعندما يشتله علي السباعي يستفز به وعي المتلقي الذي يقرأ قراءة حذرة متأنية تقرأ بحذر لبلاغة مشاهد الأمكنة عنده ، قراءة بنات الخائبات ترسخ الإحساس بنص مكاني يوثق أمكنتنا التي عشناها والتي تفرض علينا سماعها تتحدث عن خيبتنا وأحلامنا رغم غيابها الكامل من مشهد حياتنا، أمكنة القاص علي السباعي أكثر أتساعاً من وجودها ، حضورها مرتبط بمصائر أبطالها الذين عاشوا فيها قبل أن تعبث بهم الحروب والحصارات والاحتلالات التي ركلتهم بعيداً عنها.



