خبير استراتيجي بطعم المدكوكة ..
منهل عبد الأمير المرشدي
لو نرجع الى اغلب عظماء الأمم ابداعا وثورات ومنجزات نجد انهم استطاعوا فهم وتحديد العناصر الاساسية في النهوض والبناء وقواعد العمل ومواجهة الازمات وطرق حلها من خلال برامج مدروسة تشرف عليها مراكز بحثية مهمة تخطط وتخمن وتحسب كل شي حسابه.
الأمر في اغلب جوانبه واهمها ضرورة انه يحتاج الى رؤية استباقية للاحداث قبل وقوعها واستنباط الحلول ليس على ضوء النتائج انما بقراءة متأنية للأسباب والمسببات والدواعي وقراءة الواقع بشكل دقيق مبني على المعرفة ووضع المناهج الواقعية والموضوعية والممكنة بعلمية خارج اطار العواطف المفرطة والمشاعر الجياشة المجردة من سطوة العقل والتعقل واضفاء العقلائية عليها.
لدينا في العراق المبتلى والممتحن والمعتاد على البلايا والحروب والموت والدمار نجد انه ومنذ اكثر من نصف قرن من الآن نجد وللأسف الشديد واقولها بصراحة وان كانت قاسية بعض الشيء ان أغلب من ساهم في تأسيس السياسة العراقية على مستوى النظم والاعراف والمنهج وتقاليد الحكم هم من المهرجين والشقاوات والكثير منهم نتاج ثقافة بارات وملاهي وضباط اعاشة كانت مهمتهم ضبط كميات الطحين والصمون والباذنجان والخيار والخس وتوزيع الملابس الداخلية لكنهم في غفلة من الزمن تحولوا الى محللين استراتيجيين ورؤساء مراكز اعلامية ناهيك عن وصف الخبير الأمني الأستيراتيجي الى ما غير ذلك من اسماء واوصاف لا يعلمها الا الله والراسخون في العلم.
فقط اود ان اذّكر واتذكر ان اوربا وامريكا واغلب دول العالم المتحضر يعتمدون اعتمادا شبه كلي على ما تكتبه صحيفة لديهم من تقرير او بحث ويبنون عليه ويتحروا من حيثياته اما لدينا وللمثال لا اكثر اقول كان لي لقاء قبل ايام في احدى القنوات الفضائية ففوجئت بضيف كان معي من لندن وهو يتحدث عن بؤس العملية السياسية وفسادها وفشلها ثم اخذ يقارن بينها وبين ما كان العراق عليه في زمن (القائد الهمام البطل الضرغام صدام) فعرفت انه بعثي ابن بعثي ابن بعثي بامتياز فقلت له يا اخي العزيز انا اتفق معك اننا ابتلينا بعملية سياسة بائية على الطريقة الأمريكية وهو بسبب صدامك البطل وان زعاماتهاغ اغلبهم فاسد وفاشل ولكن بالله عليك وانت في لندن عندما كنت في العراق الم تعيس حروب تلو حروب من ايران الى الكويت الى ام المعرك . الم تعرف ان صحراء كربلاء والحلة وحلبجة و غيرها احتوت الاف مؤلفة من جثث النساء والأطفال الأبرياء وان اكثر من مليون طفل مريض مات لعدم توفر الدواء.
الم تتذكر اننا من سنة التسعين صعودا لم تشهد فاكهة او حلوى في اسواقنا وان اطيب واجمل حلوى كانت لدينا هي (المدكوكة) من التمر الجسب المطحون .
هنا انتفض المحلل الأستيراتيجي في الشأن العراقي صارخا مقاطعا لي وهو يصرخ ويقول احترم نفسك لا تتجاوز على المدكوكة لأنها عراقية في الطعم والمواد والتمر العراقي الأصيل لكنكم خونة وعملاء لإيران.
ضحكت كثيرا وقلت له عجبا يا رجل لم تستفزك الحروب ولا المقابر الجماعية ولا الموت بلادواء . فقط هي المدكوكة التي حركت فيك عراقيتك الرابضة والنابضة في احشاء البعث المقبور.



