اخر الأخبار

جريمة تجفيف الأهوار

أهوار العراق التي كانت فيما مضى تغطي ما يقرب من ( 20000 ) كم2، ويسكنها ما يربو على نصفِ مليون إنسان، تشكل بحسبِ المتخصصين وآراء الباحثين أكبر أنظمة الأراضي الرطبة في منطقةِ الشرق الاوسط، فضلاً عن أهميتِها المتأتية من الخصائصِ البيئية والاجتماعية والثقافية التي تميزها، وربما تتفرد بها عن بقيةِ البيآت أو المسطحات المائية في العالم، بوصفِها مناطق بيئية ذات طبيعة مثيرة يمكن توظيفها لأغراضٍ سياحية عبر التخطيط لإنشاءِ المنتجعات السياحية، إضافة إلى إمكانيةِ استثمار مختلف ثرواتها في تعزيزِ موارد الدخل وتحقيق الازدهار لسكانِها.

الأهوار التي كانت على مدى عقود من الزمانِ حاضنة طبيعية للأسماكِ ومحطة لتوقفِ الطيور المهاجرة، تعرض نظامها البيئي الذي يعود تـأريخه إلى أكثر من ( 5000 ) سنة إلى الضغطِ وأصبح يعاني التصدع منذ أعوام العقد السابع من القرنِ الماضي جراء شروع دول حوضي دجلة والفرات بإقامةِ السدود على مصادرِ تمويلها بالمياه، ما أفضى إلى انخفاضٍ كبير بحجومِ المياه المتدفقة إليها، ثم ما لبث أن أقدمَ النظام البائد في عامِ 1985 م على الشروعِ بالصفحةِ الأولى من عمليةِ تجفيف هذا المستنقع المائي بوساطةِ بناء سواتر ترابية؛ لضمانِ حجز المياه في مجرى ما يسمى بـ ( النهر الثالث ) الذي تزامن العمل به مع انخفاضٍ شديد في مناسيبِ مياه نهري دجلة والفرات بفعلِ توجه حكومتي سوريا وتركيا لإنشاءِ سدود على هذه الأنهار.

جريمة تجفيف الأهوار التي تعد بحسبِ المدير التنفيذي لبرنامجِ الأمم المتحدة للبيئةِ ( كارثة بيئية كبرى ستبقى في ذاكرةِ الإنسانية كواحدة من أسوأ الكوارث البيئية التي سببها إنسان )، أفضت عملياً إلى التسببِ بحدوثِ كوارث بيئية وطبيعية من جملتِها تلوث الهواء والمياه والتربة، إلى جانبِ انقراض أنواع لا حصر لها من الطيورِ والنباتات والحيوانات بعد أن تحولَ أكبر نظام بيئي في الشرقِ الأوسط وغربي آسيا إلى أراضٍ جرداء نتيجة تقلص مساحته الكلية بنسبةٍ عالية وصلت على وفقِ وثائق المنظمة الأممية إلى ( 97% )، إضافة إلى جملةِ آثار بيئية واقتصادية منها المساهمة بارتفاعِ درجات الحرارة وخفض نسبة الرطوبة وزيادة حاجة الحيوانات والمحاصيل الزراعية إلى الماءِ، وتعرض التربة إلى السبخِ نتيجة انتشار الأملاح وتفكك جزيئاتها، فضلاً عن انقراضِ أنواع عديدة من الطيورِ والنباتات والحيوانات. ويضاف إلى ذلك تأثير لأهوار في النظامِ البيئي لعمومِ منطقة الخليج المتأتي من إيجابيةِ التأثيرات الطبيعية للبكتيريا والأوكسجين وأشعة الشمس التي كانت تخضع لها بشكلٍ طبيعي مياه نهري دجلة والفرات التي تتعرض إلى التلوثِ بسببِ رحلتها الطويلة التي تمتد عبر ثلاث دول، ما يعني حاجة المياه المتجمعة في منطقةِ الأهوار إلى عمليةِ تنقية قبل تدفقها إلى الخليج.

على الرغمِ من المحاولاتِ الضعيفة التي تبنتها الحكومة العراقية في السنواتِ الماضية لإعادةِ اغمار أجزاء من أرضِ الأهوار، فإن ضياعَ إرثها الطبيعي والتاريخي الذي صاحبه تهجير سكانها الأصليين إلى المدن، فضلاً عن مقتل واختفاء عشرات الآلاف منهم ما تزال تعكس حتى اللحظة مرارة واقع الآثار الناجمة من الانتهاكِ الذي تعرضت له المسطحات المائية في جنوب العراق، فعلى سبيل المثال لا الحصر طيور النورس التي تركت قسراً منطقة الأهوار التي كانت تسكنها وانتقلت إلى جزرِ الكويت القريبة في أعقابِ جريمة التجفيف، لم تعد بعد لموطنِها الأصلي الذي كان يشكل أحد المخزونات الجينية المهمة في العالم!!.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى