“نداء الكوكو” عنصرية البريطانيين تجاه الملونين والفقراء

المراقب العراقي /متابعة…
الروايات البوليسية لها سحر خاص، فهي تبقى ذهن القارئ يقظا طوال قراءة الرواية، تعطيه ملامح للشخصيات وصفات وسلوك ثم ما يلبس أن يكتشف القارئ أن تلك الإيحاءات لم تكن صحيحة، ويكتشف الشخصيات مجددا على مدار الرواية، يشعر القارئ أنه متلهف لمعرفة حل تلك الألغاز التي يلقي بها الكاتب في طريقه، يريد أن يفهم سير الأحداث الذي يتلاعب به.
وفي رواية “نداء الكوكو” للكاتبة للكاتبة البريطانيّة “ج.ك. رولينغ”، مؤلّفة سلسلة “هاري بوتر” الشهيرة، ورواية “منصب شاغر”. والتي أصدرت الرواية باسم “روبرت غالبريث” وهو الاسم المستعار واسم رجل، وذلك لأن المراهقين يحبون القراءة للكتاب الرجال أكثر من الكاتبات. ظلت الرواية مغمورة تحت هذا الاسم إلى أن تم الإعلان عن حقيقة الاسم المستعار فقفزت مبيعات الرواية في أسابيع قليلة إلى ملايين النسخ.
هذه الرواية تتناول قصة تحقيق بوليسية في مقتل عارضة أزياء شهيرة، لكن أهم ما يميزها التعمق في رسم الشخصيات وتناول حياتهم المختلفة.
كورموران سترايك: البطل، رجل ضخم الجسد غير وسيم، يتميز بقوة عضلية ومهارات في الملاكمة، عمل بالجيش فترة ثم تقاعد نتيجة لفقدانه إحدى ساقيه في أفغانستان، يعاني من أزمة مالية رغم أنه ابن غير شرعي لمغني شهير، يستطيع حل لغز القضية الشائكة بنجاح.
جون بريستو: القاتل، والذي تظهره الرواية بمظهر شخصية الرجل المضطرب نفسيا لنكتشف في النهاية أنه قاتل.
الراوي..
الراوي عليم، يحكي عن الشخصيات ويركز بشكل أساسي على البطل، وشخصية “روبن” سكرتيرته ويتناول باقي الشخصيات من خلال البطل وكشفه لهم.
السرد يعتمد على التشويق في بناء محكم، لكنه أيضا يعتمد على تقديم شخصيات مكتملة الملامح، فالكاتبة تتعمق في رسم الشخصيات حتى ليشعر القارئ أنها تتحرك أمامه وأنه يعرفها جيدا، شخصية البطل والسكرتيرة والقاتل والضحية وشخصيات أخرى، تهتم الكاتبة بإظهار جزء من صفاتهم وسلوكياتهم، إلى جانب وصف دقيق لملامحهم الخارجية ومظهرهم وطريقة ارتدائهم للملابس وحتى حركاتهم الجسدية، كما تهتم الكاتبة بعمل وصف دقيق للأماكن التي تجري فيها الأحداث من حيث الألوان والديكور، الرواية تقع في حوالي 500 صفحة من القطع المتوسط وتظهر دلالات أعمق من مجرد قصة قتل غامضة.
وأهم ما ترصده الرواية العنصرية القبيحة تجاه الملونين والتي تظهر في حديث بعض الشخصيات حين يتم الحديث عن “لولا” وكيف تبنتها أسرة بيضاء وكيف أن حياتها لم تكن سهلة أبدا، والعنصرية تجاه الفقراء التي يتفاخر بها الأغنياء والمشهورين.
وتتجلى العنصرية تجاه الملونين والفقراء من تعامل بعض الشخصيات مع “روشيل”، الفتاة الفقيرة المضطربة نفسيا التي صادقتها “لولا” وكانت تهديها بعض الهدايا وتعتبرها صديقة مقربة، ونظرة بعض الشخصيات ل”سترايك” بسبب ملابسه الرثة وكونه محقق خاص فقير، وكانت معظم الشخصيات لا تقبل التعامل معه إلا بعد أن تعرف أنه ابن “جون روكبي” المغني الشهير. مما يعكس عنصرية الانجليز والمجتمع الانجليزي وعدائيته.
كما بينت الرواية مؤشرات على تفكك المجتمع الانجليزي، فهناك أبناء غير شرعيين وهناك أبناء تتخلى عنهم أمهاتهم بسبب الفقر، خاصة في صفوف الملونين الذين يتضح من الحكي أنهم يعيشون ظروفا سيئة مجتمعيا.
مجتمع رأسمالي يتسم بالفارق الشديد ما بين الأغنياء والفقراء، يطحن الفقراء حتى أنهم لا يجدون ما يسهل لهم عيش حياة كريمة، ويعطي الأغنياء ببذخ حتى أنهم يعانون من التخمة ويتجهون إلى المخدرات والأزياء الغريبة والممارسات المريضة، يتضح ذلك أكثر في وصف الأحياء والشقق التي يسكنها الأغنياء، فعارضة الأزياء تسكن في شقة مصنوعة من مواد فاخرة ومن رخام، حتى أن من يذهب إليها من متوسطي الحال والفقراء لا يصدقون كم الرفاهية التي تعيش فيه العارضة.



