ثقافية

احمد خلف : الحلم العظيم والانكسارات النفسية

خضير اللامي

 

كتب اليّ احمد خلف رسالة مع صدور روايته” الحلم العظيم ” الصادرة عن دار المدى 2009 ، يقول فيها : الرواية التي بين يديك تمكنتُ من خلال صفحاتها قول ما لا تمكنتً من قوله فيما مضى من سنين ..”

اذا ، هنا يتوقف المرء ، امام هذه العبارة ويتأملها ، لانها اعتراف صريح من سارد تمرس في كتابة القصة والرواية ، وله رصيد في العملية الابداعية عموما . إن هذه الرواية وتعلقا بكلامه هذا ؛ غير ما كتب سابقا ، او بعبارة اخرى ؛ ان هذه الرواية هي تجاوز لما كتب احمد خلف الى حدمابما فيها رواية ” موت الاب “، وكان عليّ ان اعيد بعض ما قد قرأت له من سرديات تتوافر لدي ، او استعرض ما علق في الذاكرة ، ولانني لست ناقدا مهتما بالادب المقارن ، بيد ، أنني ازعم لنفسي أنني قاريء يستطيع ان يبدي رأيا في تاكيد ما ذهب اليه.

لا ابالغ اذا قلت ، إن الكتابة الابداعية وفي هذه الرواية بالذات ، لدى احمد خلف هي لعبة عسيرة عذبة ، و ممارسة متشابكة جميلة ، بمعنى اخر ، انه استاذ ماهر في خلق الشخصيات ،وسرد الحدث واتقان الحبكة والصورة، يحرك تلك الشخصيات بخيوط كما لعبة الدمى ، يلعب بمصائرها أنّى شاء وصولا الى ما يريد تثبيته من اجل موقف اخلاقي ؛ وحتى موقف لا أخلاقي تعرض له بطل روايته كاتب القصص والروايات ، من خلال النسيج السردي للرواية ، مثل جريمة القتل التي اقترفها ضد زوج حليمة، يؤهله في ذلك سرده الحكائي ولغته العربية الرصينة التي يتلاعب بها على وفق هواه ايضا .” وبدأ يميز بين جزالة اللفظ ومتانته واعتماد المجاز المبالغ به في تنقيته من المفردات النابية او الجارحة للذوق وبين البساطة في الخطاب الذي يعتمد في جوهره على الصدق والجرأة والاحتكام الى البحث عن الحقيقة . ص 74 .”

وهنا ، يخيل اليَّ انه يقترب كثيرا من الروائي خوزيه ساراماغو في رسم شخصيات رواياته التي يخلقها لتصبح فيما بعد استاذة له ولوحات فنية ماثلة امامه ، طرزها بيده ..

قال ، ساراماغو في خطبته امام لجنة نوبل للاداب في ستوكهولم حين تسلم جائزة نوبل للاداب ..” إن شخصياتي في رواياتي كما في مسرحياتي ، اراها الان مباشرة ، تمر امام عينيَّ ، أرى اولئك الرجال والنساء المخلوقين من الورق والحبر، اولئك الناس الذين اعتقد انني قدمتهم بوصفي ساردا اخترتهم طبقا لنزواتي ، وطوعتهم لرغباتي كخالق ؛ مثل دمى ناطقة ، اعمالها لا تؤثر عليَّ اكثر من عبء وتوتير خيوطها التي احركها حيثما اشاء .. اولئك ” الشخصيات ” الاساتذة ، دون شك ، هم لوحات طرزتها بيدي .. وتحولتً الان الى استاذ ومؤلف خالقها ؛ انني من دونها ، لن اكون هذا الكاتب الذي يقف امامكم الان .. ” مجتزأ من خطبة ساراماغو .. ترجمة كاتب هذا المقال . “

اننا هنا ، امام شخصية مؤلف واقصد به احمد خلف ، تنطوي مخيلته على كثير من الانثيالات والتداعيات النفسية والعاطفية والفكرية يوظفها في عملية ابداعية متمرسة ، وما نجده في هذه الرواية هو فعلا عملا متميزا عن اعماله الروائية السابقة ، كيف لا وهو رائد متميز من رواد الجيل الستيني ، وهو نتاج كتّاب ومؤلفين كبار ، امثال جان بول سارتر والبير كامو واندريه جيد ونجيب محفوظ وهمنغنواي وشارل ديكنز ورولان بارت ، فضلا عن المدارس الادبية الحديثة الخ .. الذي تاثر بتيار حريتهم وشكلت شخصيته الثقافية ، مع تباينهم على مختلف مشاربهم ونزعاتهم الفكرية والادبية، ونرى كثيرا من ملامحه الثقافية والفكرية وتطلعاته الذاتية وتساؤلاته الوجودية عن الحياة والانسان والكون .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى