ثقافية

إحتفالا بمئوية ميلاد الروائي والمبدع الراحل يوسف عز الدين عيسى

خجخحجح

قامت الدار المصرية اللبنانية بتقديم عملين وروائيين له، فأصدرت طبعة جديدة من روايته “الواجهة”، متزامنة مع صدور الطبعة الأولى من روايته “عواصف” التي لم تخرج بين دفتي كتاب في حياته، وذلك من منطلق الإيمان بأن رائد الدراما الإذاعية صاحب: “العسل المر”، “لا تلوموا الخريف”، التمثال”، “عين الصقر”، “الرجل الذي باع رأسه”، “نريد الحياة”، “ليلة العاصفة”، “ثلاث وردات وشمعة”، لم ينل إبداعه الروائي أوالمسرحي ما يستحق من اهتمام نقدي أو دراسة أكاديمية، على الرغم من أنه كان أحد الأساتذة الكبار الذين ساهموا في تأسيس جامعة الإسكندرية.في روايته “الواجهة” وعلى امتداد ثلاثمئة وثلاثين صفحة حافلة بأعلى درجات التشويق والاثارة، كما يؤكد الروائي سعيد سالم في تقديمه لهذه الطبعة، فتمضي رحلة “ميم نون” من الحياة إلى الموت، وهي رحلة شاقة وعسيرة؛ منوعة بشتى صنوف العذاب والقسوة وأمر الأحزان. وبمجرد أن ننتهي من قراءتها نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام الأسئلة الأبدية: من الخالق؟ ومن الإنسان؟ وما هي الحياة الدنيا؟ وما الآخرة؟ وماذا عن الجبر والاختياروماهية الوجود الإنساني؟ وما معنى أن تنتهي كل هذه المسائل الملغزة بلغز أكبر منها ألا وهو الموت؟.إن الرواية مليئة بالرموز الموحية التي قد لا يختلف إثنان على المعنى القصود بأي منها. بناؤها المعماري قائم على تصميم هندسي تعسفي لكل رمز من الرموز الواردة بحيث يناظره معادل موضوعي على أرض الواقع. إلا أننا نظلم العمل ظلما فادحا إذا ما تناولناه بهذا المنظور لأننا حتى لو استبعدنا المعادل الموضوعي لكل رمز وتناولنا العمل على ما هو عليه، أي بشكل اللامعقول، فإننا سنجد أنفسنا أمام رواية فنية متكاملة تعبر عن لا معقولية هذه الحياة التي نحياها بكامل وعينا ومعقوليتنا.في “الواجهة” نبدأ رحلة البحث عن الحقيقة مع بطللها الذي أسماه “ميم نون” وهو في حقيقته علامة استفهام، فميم نون قد تعني كلمة “مَن” إذا ما ضممنا الحرفين معا والعمل من بدايته حتى نهايته يشكل علامات استفهام كبرى تأخذ في التضخم حتى يستحيل تصور حجمها في النهاية. وتبدأ أولى علامات الاستفهام بوجود “ميم نون” في المدينة العظيمة التي تبدو وكأنها شارع واحد. كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ ثم لماذا قرر مالك المدينة الحكم بالإعدام على جميع سكانها؟ وعندما يبدأ “ميم نون” في التطلع البريء إلى الأنس والمحبة لتبديد عزلته ووحشته يكتشف أن أهل المدينة يتمسكون بقيم محددة تمسكا دوجماطيقيا دون النظر إلى طبيعة النيات فتبلغ عنه الفتاة التي ارتاح اليها- وهي تقدم له الطعام في المطعم – ليطرد من منزله ويصبح بلا مأوى ولا نقود، بحيث لا مفر أمامه إلا الذهاب إلى الطاحونة يدور بها كثور ثمنًا للحصول على لقمة العيش.لكن الطريق إلى الطاحونة مليء بالعذاب يعترضه الموت إذ تلتهم البالوعة الأحياء، فيطن صفير، في أذني”ميم نون”، ذلك الصفير الذي يوحي بلا شك برحيل القطار حاملًا الميت من عالم الدنيا إلى الاخرة. والحكم بالإعدام في هذه المدينة لا يفرق بين القتلة المتوحشين والفنانين ذوي الاحاسيس المرهفة، فها هو الشاعر الشاب الجميل الرقيق يقتله الموت بسهم يخترق قلبه النابض بحب الكون والبشر.لكن سكان المدينة بالرغم من جمودهم وآليتهم، نجدهم يذرفون الدموع على الفنان ثم ينصح “ميم” بالالتجاء بالشكوى إلى مالك المدينة، ويقال له إن المالك يحب الشكاوى، ويسعد بكثرتها، وأنه يجد لذة في شكوى الناس وتوسلاتهم، والويل لسكان المدينة من غضبه فقد يعن له فجأة أن يحدث زلزالًا رهيبًا بالمدينة يروح ضحيته من يروح بلا ذنب أو جريرة.ويتقدم “ميم” بشكواه التي يقول فيها: “لقد وجدت نفسي في هذه المدينة بغير إرادتي، ولا أعلم من أين جئت”.. إلى أن يقول “وليس لدي من المال ما يسمح لي بتناول الطعام، ولم يعد لي مأوى، وارجو من مالك المدينة أن يسمح لي بمغادرة هذه المدينة التي ملأت قلبي بالهموم والاحزان ويهيىء لي وسيلة للخروج منها إلى مكان آخر”. هكذا يقرر”ميم نون” الفقير المعذب الذي لم يرتكب إثما واحدا أن يغادر هذه الحياة، لكن إلى أين؟ .. هذه علامة استفهام اخرى لم يجد عنها اجابة، فلم يجد بدا من الذهاب إلى الطاحونة حيث كان السوط في انتطاره يلهب جسده ويدميه في مقابل قروش قليلة.ويسأل عن اسم مالك المدينة وعن شكله فيقال له إن المالك ليس له اسم معين بل أسماء كثيرة، وإن أحدا لم يره. ومع التهاب جسده بنزف الدم من أثر السوط، ويأسه من الحصول على رد على شكواه يصب غضبه على المالك فيقول إنه يهوى تنفيذ الإعدام في الأبرياء ويتلذذ بشكاوى المعذبين دون أن يحقق لهم أية أمنية.أما رواية “عواصف” فهي هي رواية انسانية سيكولوجية تبحر فى داخل النفوس وتحللها تحليلا دقيقا، تعبر عن المشاعر التى تجيش بنفس الإنسان وتظهر عواصف الصراعات التى تنشأ بين أقرب الناس وبعضهم، ويبقى دور الدكتور منير الذي يحل كل هذه الالغاز..ويوسف عز الدين عيسى لكي يعالج هذه الأفكار الفلسفية الشائكة كان يلجأ دائمًا إلى مزج الواقع بالرمز والخيال. وقد غلب على نظرته للحياة طابع المرارة الشديدة أكثر مما كان يغلب عليها طابع الحيرة والتساؤل. وله نحو مئتي قصه قصيرة وست مسرحيات وثماني روايات، إضافة الي ما يفوق المئة مقال وقد كان من كتاب جريدة “الأهرام” تنشر له صفحة أسبوعية تحت عنوان “من مفكرة يوسف عز الدين عيسى”.وقد نظم الشعر، وكتب الأغنية التي تخللت الكثير من أعماله الدرامية وأهمها: “العسل المر”، وفد اختيرت أعماله ضمن مختارات الإذاعة المصرية وهو بعد في بداية حياته، ولحنها وغناها كبار الفنانين مثل: عبد الحليم حافظ، ومحمود الشريف وغيرهم. نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1987 وجائزة الدولة التشجيعية عام 1975 في مجال الدراما الإذاعية. وحمل وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مرتين؛ الأولى عام 1976 والثانية عام 1989. كما تم تقليده وسام الجمهورية عام 1981، وحصل علي وسام فارس الأدب 1999 من هيئة قصور الثقافة لدوره الرائد في تقديم نوع جديد من الأدب. وأطلق اسمه، بعد رحيله، على قاعة الصالون الأدبي بمركز الإسكندرية للإبداع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى