غواية السرد في المجموعة القصصية “قالت لي المتيمة”

المراقب العراقي/ متابعة…
يعد الأدب رسالة فنية تختلف عن الرسائل اليومية التي تتم وفق اللغة العادية، وما تعرفه اللغة من ديناميكية في الزمان والمكان، هو ما يجعلنا نؤمن بأن قصة «قالت لي المتيمة» تجربة إبداعية للقاص حامد بلخالفي، تنقل انفعالاتِه ومشاعرَه ومواقفَه إلى الآخرين، وذلك بالاعتماد على غواية السرد والتوسل بقوة التصوير والتمثيل والإيحاء، وتبعا لذلك تتعدد الألفاظ والصور والأساليب بتعدد المواقف والانفعالات، إذ تتجلى غواية السرد في علاقتها سياقاتها المتباينة، التي تقتحم العوالم العميقة لجسد القصة، مبرزة قدرة ومهارة المبدع بلخالفي في صناعة المعنى وابتكار صور بلاغية خلَّاقة.
وبناء على غواية السّرد في الفن القصصي، لابد من الغوص في التجربة الإبداعية واستكشاف جوهر اللغة الكامنة في العلاقات بين الصور التي تتوحد فيها مختلف الأحاسيس المنغرسة في شعور المبدع، ورصد التكوينات الداخلية للبناء النصي، وما يتشكل داخله من علاقات باطنية، وما يحمله من قيمة إيجابية تمثل قيمة الرمز وسر متعته في غواية السّرد. وعلى هذا الأساس نجد القاص حامد البشير يستلهم صوره الرّمزية من عالم الطبيعة الذي يعد صورا في مرآة واحدة، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة بتعبير الشيخ الأكبر ابن عربي، وبذلك يحدث التضايف بين المفاهيم المجردة والمرائي المادية والتعيينات التي عينها الوجود الحق. بيد أنّنا لا نستطيع أن نحصي كل الرموز المأخوذة من الطبيعة، ولكن نقتطف منها بعضها.
اهتم القاص حامد البشير المكي بلخالفي بجانب الجمال فجسده وعبّر عنه في قالب رمزي يوحي بالسمو والقداسة، ولعل هذا ما يتجلى بوضوح بوساطة العديد من الرموز أهمها النّور الذي يمثل شحنةً رمزيةً، تشير إلى الصفاء والضّياء الذي ينشده الكاتب، في مجتمع عمَّته ظلمةٌ حالكة، طالت كل الميادين الثقافية والسياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق قالت كوثر لجعفر عندما ناداها بلقيس: «لا يهمني عرش بلقيس، كهفنا هذا الذي يؤوينا أفضل من كل عروش الدنيا، قلت لها لا أستطيع العيش بدونك، لقد أصبحت هوائي الذي أتنفس، قالت وأنت النور الذي أرى به الوجود كله.
إن رمزية النور تعزز الجانبَ الروحي للإنسان، وغياب النور معناه هيمنة الظلم والبغي. فالنور – كما جاء في التراث الأدبي- «رمز لتوالي الإشراقات الربانية وتعاقب الأنوار الرحمانية، والليل رمز للحجب والآثار الظلمانية التي تحجب القلب وتمنعه من مشاهدة الأنوار العلوية». ومن ثمّ، يمثل الرمز وسيلة تعبيرية لإقامة علاقة بين معنى مجرد وصورة حسية، فتشكل هذه العلاقة، بطريقة كلية أو جزئية، المعنى المراد تجسيده؛ وهذا يعني أن الرمز يكشف عن تلك النواحي والجوانب النفسية المستترة، التي لا تستطيع اللغة التعبير عنها، لكونه ليس مجرد وسيلة للتفاهم والإيحاء، أو مجرد معنى للتواصل، بل هو روح اللغة الناطق بما يعجز عنه لسانها». ولعلنا نلمس في القصة تعالق رمزية النور مع رمزية البكاء. إذ نلفي جعفر يفصح عن حبه لكوثر التي تذرف العبرات في خضم المعاناة قائلا: «كانت واضعة رأسها على ذراعي، وكانت يدها اليمنى تداعب شعيرات صدري، سكتت عن الكلام ثم أجهشت في بكاء خفي، جففت خديها من الدموع، مررت يدي اليسرى على جبينها، ضممتها بحب وشوق وهمست في أذنها: نامي قريرة العين يا حبيبتي، غدا يوم آخر ستشرق شمسه بالأفضل.



