حارس سطح العالم”.. النصُّ تكتبه الممحاة

المراقب العراقي/ متابعة…
في رواية “حارس سطح العالم “يستيقظ “الرقيب” من نومه ذات صباح، بعد أحلامٍ مزعجة، ليجد نفسه وقد تحوّل في فِراشه إلى قارئٍ عملاق. ليست هذه حرفياً صيغة العبارة الأولى في رواية بثينة العيسى الجديدة “حارس سطح العالم” (الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات تكوين، ومكتبة تنمية للطبعة المصرية)، لكنها ليست بعيدة بحال عن العبارة التي اعتمدتها العيسى، مُعارِضةً افتتاحية المسخ الكافكاوي فيما تقدم مسخها، في خطابٍ روائي يستعير من كافكا ما يتجاوز العتبة: فضاءات القمع وذوبان الفرد المطارَد في آلة العالم الهائلة. لن يكون هذا، رغم ذلك، أكثر من مرجع أوّلي لـ”رواية روايات”، مرجعها النصوص وواقعها المخيّلة.
مجدداً، تطرح بثينة العيسى علاقة الفرد بالسلطة، وهو السؤال الذي سيطر على روايتها السابقة “كل الأشياء”. هذه المرة، تُستبدل الرقابة على الإنسان بنظيرتها على الإنساني، وتُقلّب العيسى السؤال في سماء الفانتازيا بعد أن اختبرته في تربة الواقع، مُغرّبةً، بخلاف نصّها السابق، المكان والزمن وحتى أسماء الشخوص، لتنطلق إلى الوجودي، وحيث “عمومية” العالم تُوازي شمولية السلطة.
ثمة الرقيب، بطلُ النص وضحيته، الذي سيتحول إلى قارئ، ثم حارس مكتبة، ثم مفتش مكتبات، وهو في كل ذلك أبٌ لطفلة. خمسُ هوياتٍ ليس بينها الاسم، تتحرك بين خمسة مفاصل، هي عدد الفصول التي يتوزع عليها جسدُ الخطاب الروائي، والتي، للمفارقة، تحظى بأسماء. تترى الفصول دون أن يتصل الترقيم بينها، لتستقل كل وحدةٍ بترقيمها كمحكيةٍ تحظى بقدرٍ من الاستقلال. هل قصدت بثينة أن تكون لكل وحدة مرويتها حتى وهي تُكمل سابقتها وتمهد لتاليتها؟
هو بالفعل نصُ تحوّلات، في حركةٍ سردية موّارة بين انفصامٍ واتصال. بين كل وحدةٍ وتاليتها نقلة، نفق، يشبه ذلك الذي يسقط فيه الرقيب في أحلامه، إذ يأتي كلُ تحوّل سردي مشفوعاً بحلم، وبكتاب، وكأن كل فصلٍ “تأويل” متجسد لمنام بقدر ما هو استعادةٍ مبدعة لنصٍ في الذاكرة، استعادة جوهرها المعارضة لا المحاكاة.
تقدم رواية العيسى نفسها كخطابٍ قائمٍ في المستقبل. للمفارقة، فإن ذلك المستقبل يُمثِّل بالكاد ردةً عنيفة لماضٍ شرس في بدائيته، يثور على عصر المعلومات مُرتداً إلى أدبيات ما قبل التدوين. هنا ديستوبيا تنهشها السخرية، مسرحها “العالم الجديد”. العالم الجديد: تعريفٌ يُرجِّع بدوره عنواناً ومناخاً روائياً لألدوس هكسلي، في رواية ديستوبيا أيضاً هي “عالم جديد شجاع”، لن تعدم قدراً من الحضور هنا.
ثمة ثورة تطهير، أنهت الديمقراطية وأفنت “الفوضى الرقمية”، يقودها حزب وسْمُه “الواقع”. ثمة عالمٌ بات يملك وزارة لاحتكار الحقيقة وفقهاءُ علمٍ وسلاح، يوحّد بيوته وملابس قاطنيه وألوان منشآته وفوق ذلك رؤية مواطنيه للعالم.



